(أعمامي اللصوص ) مجموعة قصصية تعري المجتمع المنخور
وتفضح سياسة التجويع التي تعرض لها العراقيون
( فيصل عبد الحسن) قاص وروائي عراقي كبير ، أصدر العديد من المجموعات القصصية والروايات ، وكان يمتلك حاسة نقدية كبيرة ، وجدت الأوضاع السلبية التي يعاني منها المجتمع العراقي ، بعد أن خاض حروبا عبثية مع الجار والشقيق ، خرج منها منهزما أبشع انهزام ، تعمل حكومته جهدها كي يظل رأسها في كرسي الحكم ، متمتعا بالقدرة على الفتك بالناس الأحرار ، مصادرا أرواحهم...
قدم القاص فيصل عبد الحسن عددا من الروايات ، نذكر منها (الليل والنهار)و( عراقيون أجناب) و( أقصى الجنوب) التي فازت عام 1989 بجائزة أفضل رواية عراقية
مجموعته القصصية ( أعمامي اللصوص) اكتسبت شهرة واسعة لجرأتها في تعرية الواقع العراقي المظلم ، ولقد ذكر القاص الحسن ظروف كتابتها :
-"أعمامي اللصوص" تضم قصصا كتبتها على مدى عقد من السنوات تقريبا، بدأت بأول قصة منها أوائل عام 1992 وانتهيت من كتابة آخر قصة نهاية عام 2002، لذلك جاءت القصص متنوعة ،تضم بين قصصها ما يتحدث عن جيل جديد لقطاع الطرق في العراق ، ظهروا خلال سنوات الحصار والاحتلال – تم احتلال الجزء الغربي من العراق 1991 من قبل قوات تحرير الكويت لفترة عام كامل قبل الاحتلال الكامل لتربة العراق الطاهرة عام 2003 من قبل أمريكا وبريطانيا وحلفائهما - وعن انتشار أفكار حديثة حول اللصوصية واللؤم والبخل وطرقها، وقد أفلحت تلك المدارس بظهور تلك المجاميع من الذئاب البشرية التي أفلحت بسرقة كل مرافق الدولة بعد سقوط هذه الأخيرة عام 2003، وقد تحدثت في قصص أخرى تحكي عن ناس شرفاء تصوفوا في حياتهم بفعل سنوات الحصار والحروب القاسية التي مرت على العراق فوجدوا في الموت ضالتهم وسعادتهم.
لقد أشار الناقد د. عبد الواحد سفيان في جريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية متحدثا عن مجموعتي ، مشيرا إلى أن قصصها تذكرنا بالطرفة العربية التي تقول، إن رجلا يكره جاره ، فلما رأى جنازته تمر من أمامه، قال، الحمد لله ،الرجل المناسب في المكان المناسب.. فقد جاءت هذه القصص في وقتها لتعرية المجتمع العربي – والكلام للناقد - ونقد الظواهر السلبية في الشخصية العراقية، ولكننا عندما نقرأ القصص لا نشعر بأن رسالة أخلاقية يريد المؤلف توصيلها لنا، بل هو فنان يريد أن يضحك على أخطائنا ويشركنا معه في حفلة الضحك – انتهى كلام الناقد- ا
تتألف المجموعة من ثلاث عشرة قصة قصيرة ، بثلاثة أجزاء ، الجزء الأول يضم ست قصص ، هي على التوالي :العين – الجثة – أعمامه البخلاء- أعمامي السبعة- أعمامي المقلدون_ أعمامي اللصوص
الجزء الثاني يضم ثلاث قصص قصيرة هي :
الكلبة التي صارت نمرا- المضحكة –في ظهيرة قائظة
أما الجزء الثالث من المجموعة فيتضمن أربع قصص قصيرة ، هي على التوالي:
اللفافة العظيمة – لغة العيون الخائنة- وعاء الضغط- دنيا أخرى
رغم اختلاف الشخصيات في هذه المجموعة ، إلا أنها تتفق على استغفال الناس، وسلب ممتلكاتهم والضحك على الذقون ، الذي انتشر في تلك الآونة بعد أن اشتد الجوع بالناس ، وكثر العاطلون عن العمل ، ولم يعد راتب الدولة يكفي ، لإشباع الحاجات الأساسية للإنسان ، فضاعت الحقوق ، واسودت الأحوال ، وأصبح معظم الناس غير قادرين حتى على الأحلام.
في قصة ( العين) وهذه اللفظة قد تعني الجاسوس في اللغة العربية ، وتعني أيضا الشخص الذي يكون عينا لإخوانه ،على خصومهم ، فيراقب الخصوم ، لإيجاد الثغرة التي ينطلق منها ، للهجوم عليهم ، وجاءت لفظة ( العين) في هذه القصة ،حسب المعنى الثاني للكلمة العربية ، يجهد بطل القصة اللص في خداع الناس الآخرين ، وقيادتهم إلى مكان يستطيع فيه مع أصدقائه ، تجريدهم من ممتلكاتهم القليلة ، التي بذلوا جهدا كبيرا في الحصول عليها ، يراقب بطل القصة تصرفات الأشخاص الذين شاء سوء حظهم ، أن يكونوا معه في رحلته الطويلة في حافلة متعبة( وشاء لي عملي البغيض ،في إحدى ميليشيات الحزب ذاته ، في الأطراف وفي هذا الجو الموبوء أن أسافر مرات كثيرة من مكاني النائي قاصدا بغداد ، قبلة أنظار أهل البلاد وقاضية حاجاتهم ، وأنا أعلم بما حدث ويحدث في هذه العاصمة الواسعة ، من انعدام للأمن وفقر وخوف وأمراض معدية )
يتظاهر بطل القصة انه لا يعلم شيئا ، عن القادمين الجدد وهم النهابون :( وككل مرة شعر هذا السائق أيضا بالأمان ، وقلل من سرعتها ، حتى توقفت على جانب الطريق وصعد النهابون مع سلاحهم ، وككل مرة نحينا السائق من مكانه ، وجلست بدلا عنه لقيادة الحافلة ، ووجه أصحابي سلاحهم الملطخ ببوية الحكومة، إلى وجوه الركاب المرعوبين ، فيما قدت الحافلة بعيدا عن الشارع العام ،صوب عمق الصحراء حيث ينتظرنا آخرون ، لفتح العجلات والأجزاء الغالية من محرك السيارة ، ويشرع الباقون من إخواننا ، بسلب الركاب ما يحملونه من مال وأمتعة).
القصة الثانية عنوانها ( الجثة) وهي قصة ساخرة ،تبين الفارق الساطع بين التفوق العسكري الأمريكي و ضعف النظام العراقي ،وعنجهيته وزجه البلاد في أتون حرب غير عادلة ، أنجبت اليتم والمعاناة والقهر المتواصل ، القصة تتحدث عن مشكلة حقيقية تواجه مقاول المكائن المستهلكة ، حين اكتشف بين هياكل السيارات المحترقة جثة طيار أمريكي ، لم يبق منها في البدلة سوى بقايا لحم متفسخ وجمجمة بيضاء ، والخوف المرعب الذي يستولي على الرجال حين يجدون جثة عسكري أمريكي ، وليس أي عسكري آخر ، فما هي حجم الأخطار التي يمكن ان تواجههم ؟، ومن يمكنه ان يصدق ان الجثة تلك ، لم يكن لهم دخل في قتل صاحبها الأمريكي ، وإنما المصيبة جاءتهم تسعى ، إلى منازلهم وهم حيارى ، من يمكن أن يصدق أنهم أبرياء ؟ هل الحكومة العراقية أم الحكومة الأمريكية ،التي تريد أن تثأر لابنها القتيل ، وتعاقب من أهدر دمه المسفوك ، وتقيم ل ( المجرم) محاكمة ولعائلته في الدار الأمريكية ، أدهشني الوصف الممتع ، الذي أجاده القاص بمهارة كبيرة ،وهو يصف للقاريء التفوق العسكري الأمريكي: ( فبانت الجثة ، كومة لحم متعفن ، مغطاة بآخر ما توصلت إليه التكنلوجيا العسكرية ، غطاء للرأس يمتليء بالمصابيح المطفأة ، وعينا الطيار تحولتا إلى تجويفين يمتلئان بسائل خابط شديد الكثافة ،وبين عظام الأصابع المغطاة بقفاز أسود جهاز صغير بعمود من النحاس ، والجهاز ما زال يعمل ،مرسلا ذبذبات لها صوت خفيض ، والحشرات ما زالت تفترس الجثة ، وفي الحذاء ، عند العقبين نجمة حديدية تدور حول محورها ، وتتصل بسلك ، يختفي أسفل البدلة ، ........ وفي حزام البدلة علق مسدس غريب ، بماسورة طويلة من الفضة ، والى جانبه جهاز آخر ، يشبه مصباحا يدويا ، ولكن بزجاج معتم ........ وفي جيب الساق خرائط كثيرة عليها إشارات حمراء ......والى جانبه أكثر من حقيبة يد مفتوحة ، تمتليء بأجهزة صغيرة ،غامقة اللون ،مملوءة بالأزرار وشاشات العرض الالكترونية)
في قصة ( أعمامه البخلاء) يتحدث الكاتب بأسلوب ممتع عن البخل ، وكيف يفخر البخلاء الماهرون ، بوجود هذه الصفة التي تدل على الغنى ، وعلى البراعة في الاحتفاظ بالمال ، فهم ليسوا قليلي العقل ، أغبياء مثل الكرماء ، يبذرون أموالهم في التوافه من الأمور: (كان الأب في الأيام الخوالي يبعث ثلاثة من أولاده الأشداء ويطلب منهم أن يغسلوا أيديهم بالماء والصابون جيدا) ثم يأمرهم ان يذهبوا الى حوانيت القصابين ، لا لكي يشتروا اللحوم ، وإنما كي يمسكوا اللحم المعروض وان يضعوا عليه أيديهم ، حتى تلصق بها بعض الفتات اللحمية ، فإذا ما عادوا الى المنزل ، غسلوا تلك الأيادي ، وجمعوا ماء الغسيل ، معتبرين إياه ماء لحم مفيد ومغذيا ، وهذه القصة الطريفة الساخرة ،ذكرتني ببخلاء الجاحظ ،وكيف ان الأب البخيل كان يضع قطعة الجبن ، ويأتي أبناؤه واضعين الخبز عليها ،فقط دون اقتطاع جزء من الجبن ، فإذا ما شب الابن وكبر ، وجد ما يفعله الأب تبذيرا ، يجب التخلص منه ، فيقوم بوضع قطعة الجبن ، في وسط المنزل ،÷ ويقوم الأولاد بالإيماء إليها والإشارة ، وبذلك يكتسبون مذاق الجبن اللذيذ.
في قصة ( أعمامي السبعة) نجد الحكايات الجميلة ، عن الرغبة في السرقة ، وسلب الناس ما يملكون ، طرحه الكاتب بمهارة مثيرة للإعجاب ، بين كيف تتحول أعمال السطو ، ضد الآخرين إلى أعمال بطولية ، حين تختل المباديء الإنسانية ويكتسب الاعتداء على الناس البسطاء ، مفهوما مغايرا للحقيقة ، يصفه الجاهلون المتنفذون قوة ، وهو في حقيقة الأمر ضعف ، وعدم تحلي الشخص بمزايا الخلق، التي تمنعه من العدوان على الناس ، وتهديد حيواتهم : ( في الهزيع الأخير من الليل أستيقظ على أصوات همهمات ونداءات خافتة ، وفي عيني النعاس ، أراهم على ضوء شعلة النفط المسودة ، يستعدون للذهاب لسرقة المعدان ، ونهب جواميسهم وخرافهم وبقرهم ودجاجهم ، وذهب نسائهم وهم يدعون الله مخلصين أن يوفقهم في غزواتهم)
في قصة ( أعمامي المقلدون) يروي الكتاب بأسلوب ساخر ، كيف يكون الأشخاص حين يقلدون الآخرين ، فتضعف شخصياتهم ، وتصبح مسخا خائرا ، عائلة يقلد أفرادها أناسا ناجحين ، واحد منها يقلد المطرب فريد الأطرش ، وثان يقلد العندليب عبد الحليم حافظ ، وآخر يقلد دعية إسلاميا ،ورابع يقلد زعيما سياسيا ( نحن عائلة من المقلدين الكبار ، يعرفها القاصي والداني من الأقرب والجيران ، نقلد من يجذب انتباهنا وينحفر في ذاكرتنا) والتقليد مرض من الأمراض الاجتماعية ، يصبح خطرا حين ينتشر بين الناس ، ولا يسلم الفرد إلا إن أحسن تقليد شخصية متنفذة ، تجبر الناس المساكين على ان يفعلوا مثلها ، اختيارا أم إرغاما ، وبذلك ينعدم النجاح وتتفشى أساليب الخداع ، وتفوز الطرق الملتوية في النفاق ، وفي الحصول على الفرص في تحقيق المصالح الفردية
في قصة ( أعمامي اللصوص) متعة كبيرة ،يحصل عليها القاريء ، لقد أبدع الكاتب قي ذكر القصص التي يفخر أبطالها ، في سرقة الناس البسطاء والضحك عليهم ،وسلبهم ما ظلوا طوال حيواتهم يجمعونه بالعرق والكفاح.
يبدع القاص الماهر في قصته المعنونة :( الكلبة التي صارت نمرا) في تصوير ألام الجوع ، التي أصابت شعبا عزيزا ،ابتلي بحروب طويلة وعبثية ، لاهدف وطنيا من وراءها ، وفرض عليه حصار ظالم وطويل ، كلبة جائعة ، لاتجد ما يسد رمقها ، بعد أن أعيا الجوع الناس ، فكيف تتمكن الكلبة ، من الحصول على الطعام؟ ، يحاول مخرج مسرحي ساخر ، ان يحول الكلبة البائسة الجائعة الى نمرة مفترسة ، وهذا ما يتطلبه الدور( بركت الكلبة بكل أثقالها وأحزانها وجوعها ،وقفزت مارقة كالسهم ، بحركة انتحارية أخيرة ، صوب ساق السيدة الأجنبية واقتطعت بأنيابها :قبضة لحم بحجم الكف ،من ربلتها وسط دهشة الجميع وارتباكهم)
في قصة ( المضحكة) يخبرنا القاص:عن محاولة النفوس البشرية إلى الكفاح والجد ، للحصول على ما تريد من حاجات ، فإذا ما أعياها الحال ، ووجدت تحقيق أحلامها البسيطة من المحال ، قد تبدع أساليب جديدة ،في إضفاء بعض المعنى ،على حيواتها البائسة ودنياها الكالحة ، في هذه القصة يعمد الناس إلى جلب بعض اللحظات الممتعة في حياتهم ، بالضحك المتواصل ، وهي طريقة ناجعة ،أثبت علم النفس ان الضحك علاج ناجح ، للنفوس المكدودة التي تعبت من الحياة ، ولم تجد وسيلة ، للتغلب على مشاكلها ،إلا بالضحك المستمر ، الذي يجعلها ترى تلك العقبات ، بمنظار آخر اقل تشاؤما ، وأكثر مدعاة إلى الابتهاج (لم يعرف احد من صاحب فكرة هذا النوع من المقاهي؟ ، وقد بدا لهم صاحب مقهى الفكاهة أفاقا أو من الذين ينتظرون الفرصة السانحة ، ويخلقونها من اللاشيء إذا لم تأت ....)
في ( ظهيرة قائظة) نجد تهما توجه للأبرياء ، تأتي الطائرات الأمريكية وتضرب الناس ، فتوجه لهم الحكومة تهما ، بأنهم من جاء بتلك الطائرات المعتدية ،والمرسلة آلاف الأطنان ، من الأسلحة الفتاكة والقنابل الجهنمية : ( توقفت الطائرات الأمريكية ، فوق مدينتنا الصغيرة ، وأخذت تمطر العاصمة بوابل من صواريخها ، ونظر أهل مدينتنا إليها مندهشين ، فهي المرة الأولى التي يرى فيها الناس طائرات واقفة في السماء)
في قصة ( اللفافة العظيمة) نجد ذلك الصراع المرعب ،الذي يصيب الإنسان الأبي الكريم ، حين يتعرض لعدون الجوع الشرس ، ولا يجد ما يسد رمقه ، تأتي المتسولة تستجدي المعونة ، من الشاعر الذي فقد القدرة ،على إشباع جوعه في زمن لئيم ،لايعرف الإحسان ، ينظر الشاعر بتحسر إلى لقيمات ، تقوم المرأة المتسولة في وضعها في فمها ، ونفسه تتحرق الى الحصول على طعام ، أصبح مطلبا عزيزا ، في زمن الحروب ، وتبذير الثروة القومية في المظاهر ، التي تشبع غرور السلطان ، والشاعر في حيرته وتردده ، بين قبول اللقمة ،التي تحسن بها اليه المسكينة الفقيرة ، وبين الرفض الذي يرضي كبرياءه المهدورة ، تغادر المتسولة منزل الشاعر ، وقد تركت له لفافة رائعة ، من الكيك المخلوط بالزبدة ، والجوز والكاكاو ، وهنا يعيش الشاعر صراعا رهيبا ، بين أن يتمتع بطعم ما في اللفافة ، التي تركتها المرأة الفقيرة ، وبين خوفه أن تعود تلك المرأة ، مطالبة بما نسيته من طعام ، وأغلب ظني أن المرأة تلك ، كانت من كرم الطباع ، قد تركت اللفافة متعمدة للشاعر ، بعد أن لاحظت شدة جوعه ، وكبر احتياجه للطعام
في قصص المجموعة صراع كبير ، مفاهيم مختلفة وأضدادها ، نجد الأشخاص المتصفين بالأمانة ،والظلم الذي يجدونه من ذويهم المتطلعين ، الى التمتع بالملذات مهما كان الثمن ، ولو أدى ذلك الى خيانة الأمانة والاعتداء على الثقة ،التي استطاع الإنسان ، أن يبنيها بجهاده الطويل ، ونشوئه في بيئة كريمة ،علمته كيفية احترام الخلق ، والدفاع عن القيم الأصيلة ، التي تربي عليها ووجد الناس الآخرين يتخلون عنها ،لفرط حاجتهم في زمن الجوع ، ووجد نفسه صامدة لايتزعزع إيمانه ، بقيمة المثل التي انغرست في نفسه رغم تدني الأخلاق ، وتعدي بعض الأشخاص على البعض الآخر ، وانعدام مفاهيم العدالة والمساواة.
قصص جميلة تتحدث عن معاناة الإنسان ، وعن رغبته الشديدة في التمتع بالكرامة والحقوق ، كما يحصل للأسوياء عادة ، في كل بقاع الأرض ، ولكن الفرد العراقي رغم غنى بلاده ، وان الله قد انعم على تلك الأرض الطيبة ،بالكثير من الخيرات ، إلا إن الحروب الطويلة ،التي عانى منها أهل البلاد ، وفرض الحصار الظالم ، ورغبة أمريكا أن تجد العراق ضعيفا معزولا ، كي تتمكن من الانتصار عليه ،وتغيير حكومته في الوقت ، الذي تجد انه يحقق مصالحها في الهيمنة والاستعمار ، هذا الفرد العراقي المكافح ، قد يرضى بكل شيء ،حين يجد عمله المتواصل ،عاجزا عن تحقيق طموحاته البسيطة في الطعام المفيد ، والكساء الجميل ، في قصة ( وعاء الضغط) تبلغ معاناة الإنسان أبشع درجاتها ، حين توافق عائلة تتكون من أب وأم وولدهما ، على التعرض للتجارب التي لايعرفون لم تقام؟ ، والدخول في وعاء للضغط ،÷ كي يحصلوا بعد التجربة على ثمنها ببعض النقود
قصص ممتعة كثيرا ، برع القاص الماهر ( فيصل عبد الحسن) في تصوير المعاناة الطويلة ، والحياة القاسية لتي تجرعها الإنسان العراقي ، والتي استطاعت لبشاعتها أن تغير بعض النفوس ، وان تقلب المفاهيم ، الا بعض النفوس الطيبة والقوية ذات المعدن الأصيل
الكاتب القاص في سطور
كاتب عراقي مقيم بالمغرب / الاسم : فيصل عبد الحسن
• له الكتب المطبوعة : العروس –قصص- بغداد 1986، ربيع كاذب –قصص- بغداد 1987 ، أعمامي اللصوص –قصص القاهرة 2002 وللكاتب ثلاث روايات مطبوعة : الليل والنهار بغداد 1985
• أقصى الجنوب بغداد 1989 ، عراقيون أجناب الرباط 1999 ،
* ولد الكاتب في البصرة عام 1953
* اكمل دراسته في جامعة البصرة كلية الهندسة عام 1978
*نشر أولى قصصه حين كان طالبا في الإعدادية في عام 1976
* عضو اتحاد الأدباء العراقي
*عضو نقابة الصحفيين العراقيين
يعيش خارج العراق منذ عام 1995 *
* الكاتب العام لجمعية الرافدين العراقية في المغرب
*رئيس فخري للعديد من النوادي الثقافية في المغرب
صبيحة شبر
السبت، 29 نوفمبر 2008
الجمعة، 10 أكتوبر 2008
القصة القصيرة جدا في المغرب
قراءة في كتاب :
القصة القصيرة جدا بالمغرب
تزايد الاهتمام بهذا اللون من القص في الآونة الأخيرة كثيرا ، وأصبحت تخصص له الدراسات الطويلة ، في الصحافة الورقية ، وتصدر عن أهمية هذا الجنس ، المطبوعات الالكترونية ، كما حدث في واتا وفي رابطة انانا ، وتعد له المدارس المختلفة ، لتبيان طرق كتابته ، يستفيد منها الكتاب الشباب ، حيث تنشر القصص القصيرة جدا ، والتي قام بكتابتها قصصيون كبار ، كما فعلت مجلة الكاتب العراقي ا لالكترونية، وأخذ الكتاب المختلفون ، يجربون هذا الجنس الأدبي الجميل ، والذي اختلفت بشأنه الآراء ، وتباينت وجهات النظر ، من يقول انه جنس طارئ على أدبنا العربي ، لا يتضمن أي مقومات النص القصصي الناجح ، ويخلو من الحدث ومن عناصر القصص الأساسية ، وبعض الآراء ذهبت الى إن هذا اللون ، جنس أدبي ينبثق من القصة القصيرة ، ويتميز بمميزاتها جمبعا ، وان كان يختلف عنها ، بالقصر الشديد والكثافة العالية واللغة الشعرية.
لقد تناول هذا اللون ، من ألوان القصة القصيرة ، العديد من النقاد والباحثين ، في كل أقطار الوطن العربي ، وفي بلاد المغرب منح الاهتمام الكبير ، لهذا الجنس الأدبي العصي على التحديد ، فكثرت الجمعيات والملتقيات ، التي تتولى دراسة هذا الفن ، في عدد من المدن المغربية ، كما قامت المهرجانات ، للعناية بكتاب القصة القصيرة جدا ، وعمل الدراسات لكتبهم ومجموعاتهم ، كما حصل مدينة (أصيلة) إلى (مشرع بلقصيري) إلى (الفقيه بن صالح )وعدة مهرجانات أخرى ، كما صدرت عدة كتب نقدية ، تتناول القصة القصيرة جدا في المغرب ، منذ بداية ظهورها في البلد الى أيامنا هذه.
ومن أهم الدراسات ، عن القصة القصيرة جدا في المغرب : المسار والتطور ،ما قام بكتابته الدكتور جميل حمداوي ،في كتاب متوسط الحجم ،بستين صفحة عن مؤسسة التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع ، صدر في عامنا هذا ( 2008)
يقسم الكاتب مراحل القصة القصيرة جدا ،في المغرب ،إلى أربع هي :
1- مرحلة التأسيس والترهيص
وتعود بدايتها إلى العام 1983 ومن أهم روادها محمد إبراهيم بوعلو ، محمد زفزاف ،أحمد زيادي ، زهرة زيراوي ، واحمد بزفور ، وكانت تلك التجارب ،تتخذ أبعادا سياسية واجتماعية وواقعية ، والتطلع الى مجتمع آخر ،ذي قيم جديدة نبيلة ،
أورد الكاتب د. جميل حمداوي ،أمثلة قصصية قصيرة جدا لهذه المرحلة ـ لكل روادها المذكورين ، ففي قصة احمد الزيادي ( أحلام العصافير) التي يعتبرها الكاتب المؤلف ،من أحسن ما يمثل قصص هذه المرحلة ،تمكينا وتثبيتا وترهيصا :
(كنت عصفورا بكل ما يتطلبه العصفور من مقومات الطيران والشدو والحب
طرت بعيدا في سماء خضراء ووردية ، واجتزت غابات بألوان الفصول ، واتخذت شرائط ألوان الطيف أوسمة ، وحلقت عاليا فوق الربى والجبال ... والبحيرات والبحار .... وأحببت... أجل أحببت، وبنينا عشنا الوثير قشة قشة ، وأثثناه بيضا بهيا ، وتعهدنا الفراخ حتى درجت ، وشدت ، وطارت وأحبت ....
بيد إني في غمرة انتشائي تفقدت ريشي.... لم تبق منه ريشة واحدة تسعف ذاكرتي المثقلة بأحلام العصافير)
2- مرحلة التجنيس الفني
بدأت هذه المرحلة في العام2001 ، مع المبدع المتميز جمال بو طيب ، وقد ظهرت فيها عدة أسماء لامعة ، ساهمت في تطوير القصة القصيرة جدا في المغرب ، لها مجموعات قصصية مشهورة ،فالمبدع الذي يجمع بين عدة فنون جمال بوطيب في مجموعته ( زخة... ويبتدئ الشتاء) وجماعة الدار البيضاء كحسن برطال في مجموعته ( أبراج) ومصطفى لغتيري في مجموعته القصصية ( مظلة في قبر) وسعيد بو كرامي في مجموعته( الهنيئة الفقيرة) وسعيد منتسب في مجموعته( جزيرة زرقاء) وعبد الله متقي في مجموعته ( الكرسي الأزرق) ورشيد البوشاري في مجموعته( أجساد ... وقبرة) وهشام الشاوي في مجموعته ( بيت لا تفتح نوافذه) ومصطفى جباري في مجموعته ( زرقاء النهار) ومحمد العتريس في مجموعته ( عناقيد الحزن) وعز الدين الماعزي في مجموعته ( حب على طريقة الكبار ) وهناك أسماء مبدعة أخرى ،برزت في هذا الفن الجميل ، ذكر منها الكاتب أسماءها ،دون أن يذكر أعمالها ، أمثال عبد العالي بركات ، سعيد الفاضلي ، المهدي الودغيري، توفيق مصباح ، عبد المجيد الهواس ، محمد تنفو ، عائشة موقيظ ، وفاطمة بوزيان ..... والملاحظ في هذه المرحلة ، ان بعض كتابها تخصصوا ، في هذا الجنس الأدبي ، بينما نجد آخرين كتبوا القصة القصيرة جدا ،بالإضافة الى أعمالهم القصصية الأخرى ، وتتميز قصص هذه المرحلة ، باستعمال نقاط الحذف ،والتنويع في علامات الترقيم ، وتشغيل خطاب الإضمار ، والإيجاز والتلغيز ، من اجل تشويق القاريء ، وينبني فن القصة ،على شعرية الصورة البلاغية ،والتركيب الشاعري والدرامي والسردي واستغلال بلاغة الانزياح ، كما تمتاز القصة في هذه المرحلة (بتشغيل التناص واستخدام الذاكرة ، ومخاطبة الذهن ، مع دغدغة العاطفة والوجدان ، كما يتضمن الخطاب السردي ، من أحداث وشخوص ووصف ورؤية سردية ،وتنويع الأزمنة والصياغات الأسلوبية)
يورد الكاتب مثالين على قصص هذه المرحلة ، الاول ل( توفيق مصباح) والثاني ل ( محمد العتروس) أختار منها موضوع ( الاغتصاب) الذي ورد في قصة ( القاتل) للقاص ( توفيق مصباح):
(حدث كل شيء في رمشة العين.
انتظرها عند ممر ضيق تعودت أن تسلكه كل ظهيرة أثناء انصرافها من الإعدادية.
لمحته بطرف عين متربصا خلف سور احد المنازل المتهدمة...
تجاهلته... خطت سريعا كنعامة... تعرف ان المكان مقفر.
ناداها... الشرر يتطاير من عينيه بركانا.
قررت ألا تلتفت خلفها.... وجهها خائف، قررت أن تص
صرخت....
أمسكها من شعرها ولوى عنقها.
برهة ، حشرجت مثل ديك مذبوح.
عيناها جاحظتان
شعرها منفوش.
جسدها بارد.... بارد جدا كقطعة ثلج)
3- مرحلة التجريب:
التجأ بعض كتاب القصة القصيرة جدا ،الى التجريب ،واستعملوا التقنيات الجمالية ، والفنية التي استعملت في القصة القصيرة ، والرواية مثل تيار الوعي واستفادوا من الطرق الحداثية الجديدة ، في كتابة القصة نحو الاتجاه الى التخطيب والتحبيك وتشغيل ( الكادر السينمائي) والانفتاح على الأجناس الأدبية الأخرى ،والاستفادة من التقنيات الصحفية واللغة الشاعرية ، حيث تفتقد السردية المعهودة في القصص الكلاسيكية ، ولعل القاص ( سعيد بو كرامي) من أهم من يمثل كتاب ، هذه المرحلة الذين كتبوا ، قصصهم القصيرة جدا وفق هذه المميزات ، فنجد الغموض واضحا ، والتباس صفات السرد ، والتعمق في التجريد ، فتصبح نصوصه مغالية في الغموض ، لا يمكن الإحاطة بها دلالة او معنى ، لنطلع على نص ( النحل) :
( كانوا ثلاثة ورابعهم النحل
تحدثوا عن البحر عن الهجرة وعن الصمت
قطرات صغيرة تلتقي في الليل
لان الربيع مات ولان الأزهار ماتت
جاء النحل الى دخان المقاهي الى طاولات الموت
يحدق فيها بيأس ، يختار عنق الزجاجة وينتحر)
4- مرحلة التأصيل
حاول كتاب القصة القصيرة جدا ،في هذه المرحلة توظيف التراث ، والاستفادة من الذاكرة السردية الموروثة ، فجمعوا بين الأصالة والمعاصرة ، وبين الماضي والحاضر ، وبين مميزات الكتابة القديمة وخصائص الكتابة الحديثة ،من حيث الصياغة الفنية،
وأبرز كتاب هذه المرحلة : جمال بوطيب ، مصطفى لغتيري ، يستلهم المبدع جمال بوطيب في مجموعته القصصية ( زخة ... ويبتدئ الشتاء) تجربة الشاعر الجاهلي المعروف ( طرفة بن العبد) في قصته الرائعة هذه "
( غضب - طرفة- لما قدمته منشطة البرنامج التلفزيوني مبتسمة بلقب – الشاعر الشاب- ندم كثيرا على قبوله دعوتها ، كتم سخطه ، واحترس من سورة غضبه ،جهد نفسه ليجيب عن أسئلتها بما يكفي من الحلم ، واعتبر مستجوبته ( جليس سوء) ينبغي ان يصبر عليها وان يحتمل جهلها ، ولم يسامح نفسه على ذنب حضوره الذي لا يقوى على اصلاحه . مسح العرق المتصبب من جبهته بفعل تلك الشمس التي لم يرها قريبة مثل اليوم.
تذكر تلك القاعة المليئة بالغواني اللائي أحطن به ضاحكات ومرددات كلاما بذيئا ، بل ان إحداهن مسدت جبهته بطلاء غير سحنته ، وكاد مقصها يلهو بلحيته لولا انه حدق فيها بحنق فهمت مغزاه ، كانت المستجوبة تسأله وهو يجيب معتبرا قوله( إذا القوم قالوا من فتى ؟ هو السبب في هاته الوقاحة التي قدمته بها.
صدمت المستجوبة سمعه حين أخبرته بأنه سيموت في الخامسة والعشرين من عمره بمتفجر ، يوضع له في جرابه ، أكد لها شجاعته وقلبه واجل:
- أنا لا أحفل متى قام عودي
- ولما قالت له : تمن علينا قبل ان تموت
قال : أتمنى ان أموت طفلا ، فوحدهم الأطفال شعراء حقيقيون)
كتاب قيم جدا ، يعتبر إضافة قيمة لما قام به النقاد والباحثون في موضوع ( القصة القصيرة جدا) في المغرب ، وأصولها ومراحل تطورها ، والكاتب الدكتور ( جميل حمداوي) احد الوجوه الثقافية في بلاد المغرب الجميلة قام بعدة مؤلفات مهمة تعتبر من المراجع المغنية للباحثين وطلاب العلم والمعرفة.
قراءة : صبيحة شبر
القصة القصيرة جدا بالمغرب
تزايد الاهتمام بهذا اللون من القص في الآونة الأخيرة كثيرا ، وأصبحت تخصص له الدراسات الطويلة ، في الصحافة الورقية ، وتصدر عن أهمية هذا الجنس ، المطبوعات الالكترونية ، كما حدث في واتا وفي رابطة انانا ، وتعد له المدارس المختلفة ، لتبيان طرق كتابته ، يستفيد منها الكتاب الشباب ، حيث تنشر القصص القصيرة جدا ، والتي قام بكتابتها قصصيون كبار ، كما فعلت مجلة الكاتب العراقي ا لالكترونية، وأخذ الكتاب المختلفون ، يجربون هذا الجنس الأدبي الجميل ، والذي اختلفت بشأنه الآراء ، وتباينت وجهات النظر ، من يقول انه جنس طارئ على أدبنا العربي ، لا يتضمن أي مقومات النص القصصي الناجح ، ويخلو من الحدث ومن عناصر القصص الأساسية ، وبعض الآراء ذهبت الى إن هذا اللون ، جنس أدبي ينبثق من القصة القصيرة ، ويتميز بمميزاتها جمبعا ، وان كان يختلف عنها ، بالقصر الشديد والكثافة العالية واللغة الشعرية.
لقد تناول هذا اللون ، من ألوان القصة القصيرة ، العديد من النقاد والباحثين ، في كل أقطار الوطن العربي ، وفي بلاد المغرب منح الاهتمام الكبير ، لهذا الجنس الأدبي العصي على التحديد ، فكثرت الجمعيات والملتقيات ، التي تتولى دراسة هذا الفن ، في عدد من المدن المغربية ، كما قامت المهرجانات ، للعناية بكتاب القصة القصيرة جدا ، وعمل الدراسات لكتبهم ومجموعاتهم ، كما حصل مدينة (أصيلة) إلى (مشرع بلقصيري) إلى (الفقيه بن صالح )وعدة مهرجانات أخرى ، كما صدرت عدة كتب نقدية ، تتناول القصة القصيرة جدا في المغرب ، منذ بداية ظهورها في البلد الى أيامنا هذه.
ومن أهم الدراسات ، عن القصة القصيرة جدا في المغرب : المسار والتطور ،ما قام بكتابته الدكتور جميل حمداوي ،في كتاب متوسط الحجم ،بستين صفحة عن مؤسسة التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع ، صدر في عامنا هذا ( 2008)
يقسم الكاتب مراحل القصة القصيرة جدا ،في المغرب ،إلى أربع هي :
1- مرحلة التأسيس والترهيص
وتعود بدايتها إلى العام 1983 ومن أهم روادها محمد إبراهيم بوعلو ، محمد زفزاف ،أحمد زيادي ، زهرة زيراوي ، واحمد بزفور ، وكانت تلك التجارب ،تتخذ أبعادا سياسية واجتماعية وواقعية ، والتطلع الى مجتمع آخر ،ذي قيم جديدة نبيلة ،
أورد الكاتب د. جميل حمداوي ،أمثلة قصصية قصيرة جدا لهذه المرحلة ـ لكل روادها المذكورين ، ففي قصة احمد الزيادي ( أحلام العصافير) التي يعتبرها الكاتب المؤلف ،من أحسن ما يمثل قصص هذه المرحلة ،تمكينا وتثبيتا وترهيصا :
(كنت عصفورا بكل ما يتطلبه العصفور من مقومات الطيران والشدو والحب
طرت بعيدا في سماء خضراء ووردية ، واجتزت غابات بألوان الفصول ، واتخذت شرائط ألوان الطيف أوسمة ، وحلقت عاليا فوق الربى والجبال ... والبحيرات والبحار .... وأحببت... أجل أحببت، وبنينا عشنا الوثير قشة قشة ، وأثثناه بيضا بهيا ، وتعهدنا الفراخ حتى درجت ، وشدت ، وطارت وأحبت ....
بيد إني في غمرة انتشائي تفقدت ريشي.... لم تبق منه ريشة واحدة تسعف ذاكرتي المثقلة بأحلام العصافير)
2- مرحلة التجنيس الفني
بدأت هذه المرحلة في العام2001 ، مع المبدع المتميز جمال بو طيب ، وقد ظهرت فيها عدة أسماء لامعة ، ساهمت في تطوير القصة القصيرة جدا في المغرب ، لها مجموعات قصصية مشهورة ،فالمبدع الذي يجمع بين عدة فنون جمال بوطيب في مجموعته ( زخة... ويبتدئ الشتاء) وجماعة الدار البيضاء كحسن برطال في مجموعته ( أبراج) ومصطفى لغتيري في مجموعته القصصية ( مظلة في قبر) وسعيد بو كرامي في مجموعته( الهنيئة الفقيرة) وسعيد منتسب في مجموعته( جزيرة زرقاء) وعبد الله متقي في مجموعته ( الكرسي الأزرق) ورشيد البوشاري في مجموعته( أجساد ... وقبرة) وهشام الشاوي في مجموعته ( بيت لا تفتح نوافذه) ومصطفى جباري في مجموعته ( زرقاء النهار) ومحمد العتريس في مجموعته ( عناقيد الحزن) وعز الدين الماعزي في مجموعته ( حب على طريقة الكبار ) وهناك أسماء مبدعة أخرى ،برزت في هذا الفن الجميل ، ذكر منها الكاتب أسماءها ،دون أن يذكر أعمالها ، أمثال عبد العالي بركات ، سعيد الفاضلي ، المهدي الودغيري، توفيق مصباح ، عبد المجيد الهواس ، محمد تنفو ، عائشة موقيظ ، وفاطمة بوزيان ..... والملاحظ في هذه المرحلة ، ان بعض كتابها تخصصوا ، في هذا الجنس الأدبي ، بينما نجد آخرين كتبوا القصة القصيرة جدا ،بالإضافة الى أعمالهم القصصية الأخرى ، وتتميز قصص هذه المرحلة ، باستعمال نقاط الحذف ،والتنويع في علامات الترقيم ، وتشغيل خطاب الإضمار ، والإيجاز والتلغيز ، من اجل تشويق القاريء ، وينبني فن القصة ،على شعرية الصورة البلاغية ،والتركيب الشاعري والدرامي والسردي واستغلال بلاغة الانزياح ، كما تمتاز القصة في هذه المرحلة (بتشغيل التناص واستخدام الذاكرة ، ومخاطبة الذهن ، مع دغدغة العاطفة والوجدان ، كما يتضمن الخطاب السردي ، من أحداث وشخوص ووصف ورؤية سردية ،وتنويع الأزمنة والصياغات الأسلوبية)
يورد الكاتب مثالين على قصص هذه المرحلة ، الاول ل( توفيق مصباح) والثاني ل ( محمد العتروس) أختار منها موضوع ( الاغتصاب) الذي ورد في قصة ( القاتل) للقاص ( توفيق مصباح):
(حدث كل شيء في رمشة العين.
انتظرها عند ممر ضيق تعودت أن تسلكه كل ظهيرة أثناء انصرافها من الإعدادية.
لمحته بطرف عين متربصا خلف سور احد المنازل المتهدمة...
تجاهلته... خطت سريعا كنعامة... تعرف ان المكان مقفر.
ناداها... الشرر يتطاير من عينيه بركانا.
قررت ألا تلتفت خلفها.... وجهها خائف، قررت أن تص
صرخت....
أمسكها من شعرها ولوى عنقها.
برهة ، حشرجت مثل ديك مذبوح.
عيناها جاحظتان
شعرها منفوش.
جسدها بارد.... بارد جدا كقطعة ثلج)
3- مرحلة التجريب:
التجأ بعض كتاب القصة القصيرة جدا ،الى التجريب ،واستعملوا التقنيات الجمالية ، والفنية التي استعملت في القصة القصيرة ، والرواية مثل تيار الوعي واستفادوا من الطرق الحداثية الجديدة ، في كتابة القصة نحو الاتجاه الى التخطيب والتحبيك وتشغيل ( الكادر السينمائي) والانفتاح على الأجناس الأدبية الأخرى ،والاستفادة من التقنيات الصحفية واللغة الشاعرية ، حيث تفتقد السردية المعهودة في القصص الكلاسيكية ، ولعل القاص ( سعيد بو كرامي) من أهم من يمثل كتاب ، هذه المرحلة الذين كتبوا ، قصصهم القصيرة جدا وفق هذه المميزات ، فنجد الغموض واضحا ، والتباس صفات السرد ، والتعمق في التجريد ، فتصبح نصوصه مغالية في الغموض ، لا يمكن الإحاطة بها دلالة او معنى ، لنطلع على نص ( النحل) :
( كانوا ثلاثة ورابعهم النحل
تحدثوا عن البحر عن الهجرة وعن الصمت
قطرات صغيرة تلتقي في الليل
لان الربيع مات ولان الأزهار ماتت
جاء النحل الى دخان المقاهي الى طاولات الموت
يحدق فيها بيأس ، يختار عنق الزجاجة وينتحر)
4- مرحلة التأصيل
حاول كتاب القصة القصيرة جدا ،في هذه المرحلة توظيف التراث ، والاستفادة من الذاكرة السردية الموروثة ، فجمعوا بين الأصالة والمعاصرة ، وبين الماضي والحاضر ، وبين مميزات الكتابة القديمة وخصائص الكتابة الحديثة ،من حيث الصياغة الفنية،
وأبرز كتاب هذه المرحلة : جمال بوطيب ، مصطفى لغتيري ، يستلهم المبدع جمال بوطيب في مجموعته القصصية ( زخة ... ويبتدئ الشتاء) تجربة الشاعر الجاهلي المعروف ( طرفة بن العبد) في قصته الرائعة هذه "
( غضب - طرفة- لما قدمته منشطة البرنامج التلفزيوني مبتسمة بلقب – الشاعر الشاب- ندم كثيرا على قبوله دعوتها ، كتم سخطه ، واحترس من سورة غضبه ،جهد نفسه ليجيب عن أسئلتها بما يكفي من الحلم ، واعتبر مستجوبته ( جليس سوء) ينبغي ان يصبر عليها وان يحتمل جهلها ، ولم يسامح نفسه على ذنب حضوره الذي لا يقوى على اصلاحه . مسح العرق المتصبب من جبهته بفعل تلك الشمس التي لم يرها قريبة مثل اليوم.
تذكر تلك القاعة المليئة بالغواني اللائي أحطن به ضاحكات ومرددات كلاما بذيئا ، بل ان إحداهن مسدت جبهته بطلاء غير سحنته ، وكاد مقصها يلهو بلحيته لولا انه حدق فيها بحنق فهمت مغزاه ، كانت المستجوبة تسأله وهو يجيب معتبرا قوله( إذا القوم قالوا من فتى ؟ هو السبب في هاته الوقاحة التي قدمته بها.
صدمت المستجوبة سمعه حين أخبرته بأنه سيموت في الخامسة والعشرين من عمره بمتفجر ، يوضع له في جرابه ، أكد لها شجاعته وقلبه واجل:
- أنا لا أحفل متى قام عودي
- ولما قالت له : تمن علينا قبل ان تموت
قال : أتمنى ان أموت طفلا ، فوحدهم الأطفال شعراء حقيقيون)
كتاب قيم جدا ، يعتبر إضافة قيمة لما قام به النقاد والباحثون في موضوع ( القصة القصيرة جدا) في المغرب ، وأصولها ومراحل تطورها ، والكاتب الدكتور ( جميل حمداوي) احد الوجوه الثقافية في بلاد المغرب الجميلة قام بعدة مؤلفات مهمة تعتبر من المراجع المغنية للباحثين وطلاب العلم والمعرفة.
قراءة : صبيحة شبر
الخميس، 9 أكتوبر 2008
من دون احتراس
( من دون احتراس) قصائد تنطلق من خضم المعاناة ، لتؤسس ملاذا
قراءة : صبيحة شبر
صدرت عام 2005 المجموعة الشعرية الثالثة ، لشاعر عراقي مميز ، عرف بالجملة المكثفة ، والمعاني المنطلقة من شدة المعاناة ،من جحيم مستعر ، أريد له أن يشعل العراقيين جميعا ، في أتون حروب هوجاء ، وسياسات تنكيلية مستمرة ، تبحث عن الوقود للتسبيح بالحمد والثناء ، ولكن هل يستطيع المبدع بقدرته على الإتيان بالكلمة الموحية ، أن يحدّ من ذلك الطغيان المتنامي للخراب ، وان يجد لنفسه جزيرة حافلة بالخضرة ، في ظل انهيار الأشجار السامقة ، وتساقط ما ابتدعه الإنسان على مر السنين ، من رغبة في إيجاد بعض الظلال ؟ والاحتفاظ بزهور قادرة ،على خلق الفرحة ، في عالم يزخر باغتيال كل شيء جميل ، ووأد الأحلام النابعة رغم ما يراد بها من نفي وتقتيل ؟
في مجموعة شعرية جميلة ، تتضمن إحدى وثلاثين قصيدة ، نجد إصرار الإنسان على أن يخلق حياة بديلة ، عن الموت المحدق ، الذي يفتح فاه ساخرا ، من العجز الذي يهيمن أحيانا على النفس ، مجبرا إياها على التخلي ،عما تريد من أمل بسيط ، يداعب القلب ، ويدفعه الى مواصلة النضال لتحقيق المراد ؟ ولكن أي نضال يشفع للأيدي المغلولة ، والعمل المناوئ لها ، والطامح الى تكبيلها بقيود كثيرة.
ففي القصيدة الأولى من الديوان ( سجادتي شفق .. والمسبحة عكاز) يتضح ضعف الإنسان ، رغم محاولاته الكثيرة لإيجاد بدائل للحياة ، يسعى إلى صنع مجداف ، يعينه الى تسيير عمره ( الضائع) رغم ما بذله من جهود أضنته بصعوبتها ، والغيب ما يزال ضنينا ، فكلمات الإنسان رغم فصاحتها ، لاتستطيع إدراكها المدن المسورة ، فيحاول المرء صنع شراع ، عله ينقله الى خارج حدود الثرثرة ، وهل يمكن للإنسان مهما كانت قدرته ، او جمال أحلامه ، أن يجد الخلاص ، ولو حلما يختبيء ، في الثنايا ، من جحيم الحروب التي لا تبصر دائما ، ولا تفرق بين ضحاياها ، المتحولين إلى مزق متناثرة ، وعظام مكسورة:
هناك ..
حيث يستيقظ ملوك البحر
وتغادر أنفاسهم
تنور الحروب
أعدّ للنهر آذانا
أترقب من تلويحة الغيب
قصباً
كي أجدف به عمري
أو أختفي في صلاة
لضفّةٍ من حليب
أو صرخةٍ
أدعو فيها ضمادَ الشفق ..
هناك
حيث لا تفقهني المدنُ
أدرأ بالعكّاز ضبابَ حجيجِها
وأصوغ من أسمالٍ للضحى
شراعاً
لتماثيلَ المقاهي ..
هناك .. لا وقت للبقاء
حيث ملوكُ البحر لم يفقهوا :
أن المدن
ثرثرةٌ زائدة
عن بلاغةِ الأفق)
لماذا أطلق الشاعر ( حسين الهاشمي) على مجموعته الثالثة عنوانها ( من دون احتراس)، فما هو المقصود من هذه اللفظة؟ ، ومم نحترس ؟ وكيف يمكن للمرء أن يحترس ؟ في هذا الجو الموبوء بمثل هذه الآفات ، المتكالبة حوله ، فلا يجد في نفسه ، القدرة على مواجهتها ، الجميع مدانون ، فهل تملك النفس الشاعرة سبل خلاصها ؟ أمام هذا الضياع المهيمن ؟ وهل يستطيع الحلم أن ينأى ، عن السهام القاتلة ؟ وأي قدرة يملكها المبدع ،حيال تلك الرغبة الكبيرة ، في سلبه سطوع الأمل على الإنقاذ؟ ، وهل يمكن للحلم المستوطن النفس ، ان يمنح الرغبة في الخلاص ، في واقع ملغوم حتى النخاع بقوى لا قدرة على الذات المبدعة ،على إحاطتها ، ، هل يمكن للغة ان تدرأ بجمال كلماتها الأوجاع؟ ، وان ينقذ رصيدها تلك القيود الجهنمية، التي تحيط بالنفس والروح ؟، وتغتال حتى الأحلام ، وتقتل الرؤى في داخل نفسك ، تحاول ان تجد لها أمانا في ظل هذا الضياع ، فتظل نفسك قلقة حائرة ، أية قوة تملكها لغة الإبداع ، و الألفاظ المنتقاة ، والنفس الشاعرة أمام ذلك الطوفان المنفلت ، حين يركض الإنسان في صحارى الحرمان ، فلا يجد سوى الرعب القاتل ، فلا يمكن للغة ، حينئذاك ، ان تعبر عن ذلك النهر المتدفق ، في النفس الشاعرة عن هموم مركبة ، ضياع آمال وفقدان أحلام ، وعجز كبير ، وغربة لاسعة ، تحيطك ، تلتف بخيوطها حول رقبتك مطيلة الضغط على أنفاسك، كي تولي هاربة ، وجراح فاغرة أفواهها تصرخ بصمت ، وتفقد الأشياء معانيها التي عرفناها ، ويصبح القمر الفضي الجميل ، نحاسيا ، وحتى البلدان ، تضيع منها سقوف الطمأنينة والأمان ، فماذا يتبقى للغة أن تفعل وسط هذا الخراب ؟ في قصيدة ( أتدفأ .. كسيد من دون احتراس) ينطلق صوت الشاعر قويا ،رغم كل الإخفاقات ، التي تنذره بالتوقف عن المحاولة لانطلاق صوته الخاص ، في جو يكثر فيه المقلدون :
يجب
أن أغفرَ للمعاطف
تلك التي
لا تبوحُ بغربتها ..
للأذرعِ بلا فرشاة
ولا تلوّح للجرح ..
يجب أن أغفرَ للنجوم
للقمر النحاسيّ
وبقيةِ الغرائب .. حين أركض للسماء
حين لا أجد سوى رعبي
نقاوتي المبقّعةِ بالشحوب ..
حين لا أجد
سوى قوسِ المكان
يرقبُ وتراً لعكّاز ..
حين لا أجدُ
لا أجدُ في هذه الحجرة
التي
اسمها اللغةُ
سوى تماثيلَ تسوّر عشبَها ...
يجب أن أغفرَ لبلدانٍ
لا تعرف السقوفَ ..
في مدن لا اعرف إلا الخوف ، تقتات على الضياع ، وتحفر في الأرض قبورا ،لما تحمله من كنوز ، تصر على مواصلة إخراج زهورها ، يواصل أناسها الرحيل ، باحثين في مكان ما ، يتضمن القليل من البهجة الآفلة ، والنسمات غير المسورة ، والهواء القادر على الإنعاش ، في قصيدة ( حقل) نقرأ أحداث قصة ، تحدث كثيرا ،عن رغبة في الدفء ، لا تجد لها ميلادا ، وعن رحيل واشتياق ، وعودة لا تنبئ عن تحقق المراد ، سرقت تفاصيله بمعول ، هدها ، فإلى أين يرحل ؟ والشطاّن لا ترى من هذا المكان ، هل نستعير جناح طير؟ ، ونسرع بالرحيل ، تاركين عبق المكان ،يغرد ، فاردا جناحيه ، في القلوب المترعة بالألم:
عاد ..
بتفاصيل دافئة
ارتدى سترته أمامَ النافذة
هَمَسَ في عينيها :
_ إنني راحلٌ في الغد ...
عادَ لأنه مثقلٌ بالتفاصيل
لأنه
مثقلٌ وحسب ..
_ إنني راحلٌ كعيونٍ اتسعتْ
ضاق بها
ضجيجُ الهروب
وغداً أفركُ النافذة
من ثقلِ أنفاسها .. كي أطير ..
غداً
أعودُ مثل بحّار يتيم
حفرَ كثيراً في أوراقه ,
رأى تفاصيله بقبضة معول
وقلبه
عائمٌ بين السبّابة والإبهام
_ غداً
سأكتبُ ابتسامة
هادئاً .. عالياً
على شراع ورقةٍ لطير ,
ولأنه اصطكَّ لعودته
ارتدى سترةً لطير
ولأنه مثقلٌ بموجِ أنفاسه
فتحَ النافذةَ :
هكذا يصلُ
هكذا يعومُ
هكذا يسألُ
_ أيتها القرية ... أين ؟
فعانقه
حطبٌ مهجور
في قصيدة ( مجاهيل) : تتنوع أسباب الألم ،وتتعدد ألوانه ، فلا نعد إلى السؤال
عن الأوان الذي يفجعنا بمجيئه ، مكتفين بما خفي من نتائج انبثاقه ،و يستولي علينا الدوران ، يستوطن ألمنا الكبير ، كل مكان ، يهل علينا في كؤوس شرابنا ، فنخاف من فكرة طرده ، ويفجعنا ذلك الخوف ، حين يحدق في وجوهنا ، واعدا إيانا بسياط( عقاربه) ، فيتملكنا العجز ، من اطلاق أفواهنا بالصراخ ، فيمتلئ طريقنا بمجاهيل مدعية ، وتقذفنا المدينة بشباك ، نلتقط عبرها أثار الطعنات:
أحياناً لا نسأل
عن أوانِ الألم
ونكتفي بخفايا كائناته
لا نعرف كيف ندور
بدلاً منه
لا نسألُ حين يغادرُ المنزل
وينام كأبلهٍ
فوق كراسي المقهى
لا يجرؤ أيّ منا
أن يطرده من قدحِ الشاي
أن يوقظه من خوفنا
عندها
يحدّقُ في الوجوه
ويعدّ بسياطِ عقاربه..
أحياناً
لايصدّق أيةَ طراوةٍ
في مجهوله
تشربنا جهاته
ليتركنا أقداحاً
ولا نمارس أفواهنا بالصراخ
لذلك
يصطبغُ الطريق
ما بين المنزل والمقهى
بمجاهيلَ تدّعي
أقداماً طرية
لذلك أيضا
تقذفنا المدينةُ شباكاً
كلّ صباح
نلتقط آثارها طعناتٍ
ونعود
بأبلهٍ
يدعى الألم
قصائد جميلة لشاعر مبدع ، وجدت في قراءتها ،ما كنت أرومه من بهجة
نبذة عن الشاعر
حسين الهاشمي
• ( العراق – بغداد 1961 )
• دبلوم هندسة مدنية
• عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق
• عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب
صدر له :-
1. غيمة في عكاز – شعر 2001 م بغداد/ دار الشؤون الثقافية
قراءة : صبيحة شبر
صدرت عام 2005 المجموعة الشعرية الثالثة ، لشاعر عراقي مميز ، عرف بالجملة المكثفة ، والمعاني المنطلقة من شدة المعاناة ،من جحيم مستعر ، أريد له أن يشعل العراقيين جميعا ، في أتون حروب هوجاء ، وسياسات تنكيلية مستمرة ، تبحث عن الوقود للتسبيح بالحمد والثناء ، ولكن هل يستطيع المبدع بقدرته على الإتيان بالكلمة الموحية ، أن يحدّ من ذلك الطغيان المتنامي للخراب ، وان يجد لنفسه جزيرة حافلة بالخضرة ، في ظل انهيار الأشجار السامقة ، وتساقط ما ابتدعه الإنسان على مر السنين ، من رغبة في إيجاد بعض الظلال ؟ والاحتفاظ بزهور قادرة ،على خلق الفرحة ، في عالم يزخر باغتيال كل شيء جميل ، ووأد الأحلام النابعة رغم ما يراد بها من نفي وتقتيل ؟
في مجموعة شعرية جميلة ، تتضمن إحدى وثلاثين قصيدة ، نجد إصرار الإنسان على أن يخلق حياة بديلة ، عن الموت المحدق ، الذي يفتح فاه ساخرا ، من العجز الذي يهيمن أحيانا على النفس ، مجبرا إياها على التخلي ،عما تريد من أمل بسيط ، يداعب القلب ، ويدفعه الى مواصلة النضال لتحقيق المراد ؟ ولكن أي نضال يشفع للأيدي المغلولة ، والعمل المناوئ لها ، والطامح الى تكبيلها بقيود كثيرة.
ففي القصيدة الأولى من الديوان ( سجادتي شفق .. والمسبحة عكاز) يتضح ضعف الإنسان ، رغم محاولاته الكثيرة لإيجاد بدائل للحياة ، يسعى إلى صنع مجداف ، يعينه الى تسيير عمره ( الضائع) رغم ما بذله من جهود أضنته بصعوبتها ، والغيب ما يزال ضنينا ، فكلمات الإنسان رغم فصاحتها ، لاتستطيع إدراكها المدن المسورة ، فيحاول المرء صنع شراع ، عله ينقله الى خارج حدود الثرثرة ، وهل يمكن للإنسان مهما كانت قدرته ، او جمال أحلامه ، أن يجد الخلاص ، ولو حلما يختبيء ، في الثنايا ، من جحيم الحروب التي لا تبصر دائما ، ولا تفرق بين ضحاياها ، المتحولين إلى مزق متناثرة ، وعظام مكسورة:
هناك ..
حيث يستيقظ ملوك البحر
وتغادر أنفاسهم
تنور الحروب
أعدّ للنهر آذانا
أترقب من تلويحة الغيب
قصباً
كي أجدف به عمري
أو أختفي في صلاة
لضفّةٍ من حليب
أو صرخةٍ
أدعو فيها ضمادَ الشفق ..
هناك
حيث لا تفقهني المدنُ
أدرأ بالعكّاز ضبابَ حجيجِها
وأصوغ من أسمالٍ للضحى
شراعاً
لتماثيلَ المقاهي ..
هناك .. لا وقت للبقاء
حيث ملوكُ البحر لم يفقهوا :
أن المدن
ثرثرةٌ زائدة
عن بلاغةِ الأفق)
لماذا أطلق الشاعر ( حسين الهاشمي) على مجموعته الثالثة عنوانها ( من دون احتراس)، فما هو المقصود من هذه اللفظة؟ ، ومم نحترس ؟ وكيف يمكن للمرء أن يحترس ؟ في هذا الجو الموبوء بمثل هذه الآفات ، المتكالبة حوله ، فلا يجد في نفسه ، القدرة على مواجهتها ، الجميع مدانون ، فهل تملك النفس الشاعرة سبل خلاصها ؟ أمام هذا الضياع المهيمن ؟ وهل يستطيع الحلم أن ينأى ، عن السهام القاتلة ؟ وأي قدرة يملكها المبدع ،حيال تلك الرغبة الكبيرة ، في سلبه سطوع الأمل على الإنقاذ؟ ، وهل يمكن للحلم المستوطن النفس ، ان يمنح الرغبة في الخلاص ، في واقع ملغوم حتى النخاع بقوى لا قدرة على الذات المبدعة ،على إحاطتها ، ، هل يمكن للغة ان تدرأ بجمال كلماتها الأوجاع؟ ، وان ينقذ رصيدها تلك القيود الجهنمية، التي تحيط بالنفس والروح ؟، وتغتال حتى الأحلام ، وتقتل الرؤى في داخل نفسك ، تحاول ان تجد لها أمانا في ظل هذا الضياع ، فتظل نفسك قلقة حائرة ، أية قوة تملكها لغة الإبداع ، و الألفاظ المنتقاة ، والنفس الشاعرة أمام ذلك الطوفان المنفلت ، حين يركض الإنسان في صحارى الحرمان ، فلا يجد سوى الرعب القاتل ، فلا يمكن للغة ، حينئذاك ، ان تعبر عن ذلك النهر المتدفق ، في النفس الشاعرة عن هموم مركبة ، ضياع آمال وفقدان أحلام ، وعجز كبير ، وغربة لاسعة ، تحيطك ، تلتف بخيوطها حول رقبتك مطيلة الضغط على أنفاسك، كي تولي هاربة ، وجراح فاغرة أفواهها تصرخ بصمت ، وتفقد الأشياء معانيها التي عرفناها ، ويصبح القمر الفضي الجميل ، نحاسيا ، وحتى البلدان ، تضيع منها سقوف الطمأنينة والأمان ، فماذا يتبقى للغة أن تفعل وسط هذا الخراب ؟ في قصيدة ( أتدفأ .. كسيد من دون احتراس) ينطلق صوت الشاعر قويا ،رغم كل الإخفاقات ، التي تنذره بالتوقف عن المحاولة لانطلاق صوته الخاص ، في جو يكثر فيه المقلدون :
يجب
أن أغفرَ للمعاطف
تلك التي
لا تبوحُ بغربتها ..
للأذرعِ بلا فرشاة
ولا تلوّح للجرح ..
يجب أن أغفرَ للنجوم
للقمر النحاسيّ
وبقيةِ الغرائب .. حين أركض للسماء
حين لا أجد سوى رعبي
نقاوتي المبقّعةِ بالشحوب ..
حين لا أجد
سوى قوسِ المكان
يرقبُ وتراً لعكّاز ..
حين لا أجدُ
لا أجدُ في هذه الحجرة
التي
اسمها اللغةُ
سوى تماثيلَ تسوّر عشبَها ...
يجب أن أغفرَ لبلدانٍ
لا تعرف السقوفَ ..
في مدن لا اعرف إلا الخوف ، تقتات على الضياع ، وتحفر في الأرض قبورا ،لما تحمله من كنوز ، تصر على مواصلة إخراج زهورها ، يواصل أناسها الرحيل ، باحثين في مكان ما ، يتضمن القليل من البهجة الآفلة ، والنسمات غير المسورة ، والهواء القادر على الإنعاش ، في قصيدة ( حقل) نقرأ أحداث قصة ، تحدث كثيرا ،عن رغبة في الدفء ، لا تجد لها ميلادا ، وعن رحيل واشتياق ، وعودة لا تنبئ عن تحقق المراد ، سرقت تفاصيله بمعول ، هدها ، فإلى أين يرحل ؟ والشطاّن لا ترى من هذا المكان ، هل نستعير جناح طير؟ ، ونسرع بالرحيل ، تاركين عبق المكان ،يغرد ، فاردا جناحيه ، في القلوب المترعة بالألم:
عاد ..
بتفاصيل دافئة
ارتدى سترته أمامَ النافذة
هَمَسَ في عينيها :
_ إنني راحلٌ في الغد ...
عادَ لأنه مثقلٌ بالتفاصيل
لأنه
مثقلٌ وحسب ..
_ إنني راحلٌ كعيونٍ اتسعتْ
ضاق بها
ضجيجُ الهروب
وغداً أفركُ النافذة
من ثقلِ أنفاسها .. كي أطير ..
غداً
أعودُ مثل بحّار يتيم
حفرَ كثيراً في أوراقه ,
رأى تفاصيله بقبضة معول
وقلبه
عائمٌ بين السبّابة والإبهام
_ غداً
سأكتبُ ابتسامة
هادئاً .. عالياً
على شراع ورقةٍ لطير ,
ولأنه اصطكَّ لعودته
ارتدى سترةً لطير
ولأنه مثقلٌ بموجِ أنفاسه
فتحَ النافذةَ :
هكذا يصلُ
هكذا يعومُ
هكذا يسألُ
_ أيتها القرية ... أين ؟
فعانقه
حطبٌ مهجور
في قصيدة ( مجاهيل) : تتنوع أسباب الألم ،وتتعدد ألوانه ، فلا نعد إلى السؤال
عن الأوان الذي يفجعنا بمجيئه ، مكتفين بما خفي من نتائج انبثاقه ،و يستولي علينا الدوران ، يستوطن ألمنا الكبير ، كل مكان ، يهل علينا في كؤوس شرابنا ، فنخاف من فكرة طرده ، ويفجعنا ذلك الخوف ، حين يحدق في وجوهنا ، واعدا إيانا بسياط( عقاربه) ، فيتملكنا العجز ، من اطلاق أفواهنا بالصراخ ، فيمتلئ طريقنا بمجاهيل مدعية ، وتقذفنا المدينة بشباك ، نلتقط عبرها أثار الطعنات:
أحياناً لا نسأل
عن أوانِ الألم
ونكتفي بخفايا كائناته
لا نعرف كيف ندور
بدلاً منه
لا نسألُ حين يغادرُ المنزل
وينام كأبلهٍ
فوق كراسي المقهى
لا يجرؤ أيّ منا
أن يطرده من قدحِ الشاي
أن يوقظه من خوفنا
عندها
يحدّقُ في الوجوه
ويعدّ بسياطِ عقاربه..
أحياناً
لايصدّق أيةَ طراوةٍ
في مجهوله
تشربنا جهاته
ليتركنا أقداحاً
ولا نمارس أفواهنا بالصراخ
لذلك
يصطبغُ الطريق
ما بين المنزل والمقهى
بمجاهيلَ تدّعي
أقداماً طرية
لذلك أيضا
تقذفنا المدينةُ شباكاً
كلّ صباح
نلتقط آثارها طعناتٍ
ونعود
بأبلهٍ
يدعى الألم
قصائد جميلة لشاعر مبدع ، وجدت في قراءتها ،ما كنت أرومه من بهجة
نبذة عن الشاعر
حسين الهاشمي
• ( العراق – بغداد 1961 )
• دبلوم هندسة مدنية
• عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق
• عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب
صدر له :-
1. غيمة في عكاز – شعر 2001 م بغداد/ دار الشؤون الثقافية
ضفائر الغابة : ومضات ساطعة
قراءة في مجموعة قصص قصيرة جدا
(ضفائر الغابة ) ومضات ناطقة بالتنديد
لواقع ينضح سوءا
صدر للقاص المغربي المميز( محمد فاهي) مجموعته القصصية القصيرة جدا ( ضفائر الغابة)
عن منشورات أزمنة / عمان الأردن ، تتضمن ثلاثا وستين قصة قصيرة جدا ، في سبع وسبعين صفحة ، والأخ محمد فاهي من الكتاب المغاربة المشهورين ، الذين استطاعوا ان يؤسسوا لهم بصمة قصصية ملموسة في هذا الفن الصعب جدا ، والعسير على الانقياد لإرادة المسّّير ، حيث التركيز والتكثيف والحذف والرمز ، وقول الأشياء الكثيرة في كلمات قصار ، قصصه ومضات ساحرة، تستهوي القراء، وتدفعهم إلى إمعان النظر في واقعنا المأزوم ، القدرة على انتقاء الألفاظ تتجلى واضحة ، في قصص المجموعة ، التي تجمع بين القصيدة النثرية والسرد ، بأسلوب فريد ممتع ، ، ففي قصة ( حجر على الطريق) يكثر الرمز لأطفال تعساء لا يملكون القدرة على استعمال المحفظة ، ويستعيضون بالكيس ، يملؤهم الخوف من ترقب خروج كلب ، ويمضي العمر والأطفال يتلفتون، تشدهم حبال سميكة ، لا قدرة لهم باجتيازها ، قضبان لا مرئية ، وسجون داخل نفس الإنسان وخارجها والحجر الذي وضعوه بأنفسهم في الطريق ، ينظر إليهم بشزر ، حائلا بينهم وبين ما يبتغونه من جمال ، وكأنه الشوك يعترض ورود الحياة:
في الطريق الى المدرسة كنت أضع حجرا وأقول :
عندما أعود مساء، سوف أتذكر ان طفلا مر من هنا ، يحمل كيسا عوض محفظة، يلتفت يمينا وشمالا خوفا من كلب يخرج من جهة ما ، لكنه عندما يؤوب والظلام قد أخذ يمسح معالم الجبال القريبة يقول للحجر:
آه
أيها الحجر
أنت الذي
في اليوم الأخير ، يمر على الحجر المنتصب عنوة، يتوقف عنده قليلا، يشعر كأنما ينظر إليه بشزر
فيمضي متلفتا
متلكئا كأنه مشدود بحبل
يمضي بعيدا في العمر
يضع هذه القصة ويقول.......
في قصة ( ضفائر الغابة) التي اختار القاص عنوانها للمجموعة ، تطالعنا قصة متنوعة الدلالات ، لها أكثر من تفسير ، تختلف القراءات في شأنها ، لأي شيء ترمز الطيور ؟ و دائخة أيضا ؟ ولماذا لم يربح احد الثلاثة الرهان ؟ وما نوع الطائرة التي كانت تغير على الحقول ؟ وبأمر من كانت تطير ؟ لتحاذي هامات القطن ؟
جمعنا الطيور الدائخة وقتلناها ضفائر للغابة
تراهنا على ثلاثة:
إما إنها حزينة
إما إنها في عيد
وإما إنها ستزف وهي بعد صغيرة.
البيت الصغير الذي يلوح من الغابة قصدناه ، وجدنا حلقة الأصحاب ، يتندرون.
قال ( كلاص) لصديقه :
- راسك مثل رأس حمار في حقل ، هارب من طيارة.
ضحكنا واتجهنا إلى الحقل.
كانت الطائرة تستدير بعيدا ، تنعطف فجأة ، ثم تغير على هامات الحقول وقد بدا حجمها أكبر ، وراءها خيط كبير ، عندما تحاذي هامات القطن ، تغطس أكثر وتسكت عن الهدير.
لم يربح احدنا الرهان ، لكننا ركبنا طائرات من قصب ، وصرنا نعدو وكأننا نطير
في قصة ( لا تكن نسرا) رمز من يقضي العمر كله، مناضلا يجمع الرزق ، ويبني المستقبل لبنة بعد لبنة ، يسير بتأن يثير الإعجاب ، من ثقة بالنفس متمكنة ، ومن دراية كبيرة في صنع الحياة ، فلا تكن نسرا تعتدي على الحيوات الأخرى، وتسلب منها ما بقيت تكافح من اجله، كفاح الأبطال وتستمر في نضالها الطويل ، حتى وان اعترضت طريقها الصعوبات :
انظر فقط
كيف
ت
ل
ت
ق
ط
حمامة
حبة وراء حبة وراء حبة....
ورا.....ح.........اّ...... ب
وفي قصة ( سندباد) يستخدم القاص الرمز بمهارة ، لتغير صنوف العيش ، ومواجهة الصعاب ، وتبدل الرفاق وتشتت المجتمعات ، فما الذي واجهته مجموعة الأربعة أشخاص ، هل رمز بهم للأسرة ؟ أب وأم وطفلان ؟ يواجهون مفترق الطرق ، وكل منهم يسير الى وجهة ،تختلف عن وجهة صاحبه ، وهكذا الحياة ، لا تستقيم على امر واحد ، ومن العسير جدا أن يظل المتفقون على اتفاقهم ، والقصة تتضمن الكثير من الدلالات
ماذا حدث
أيها السندباد
في مفترق
الطرق
حيث كنتم أربعة
طفل
طفلة
امرأة
وأنت ؟
في قصة ( احمر واسود): تتجلى رغبة الإنسان ان يكون حرا مستقلا ، غير خاضع لأحد ، يمثل نفسه ، لا يسعى الى الهيمنة على أشخاص معينين ، وسلبهم حرياتهم ، كما انه لايود ان يكون تابعا للآخرين ، متحدثا باسمهم ، والرغبة ان تكون حرا وتحترم حرية الآخرين أيضا، وان بدت أمر يسيرا، إلا انه صعب التحقق كثيرا، في مجتمعاتنا التي اعتادت، على نوعين من الناس، إما خاضعا للأخر وناطقا عنه ، او مسيطرا على الآخرين سالبا منهم إرادتهم ، وهؤلاء الأحرار المنادون بالحرية، لهم ولغيرهم كثيرا ما تعرضوا للاضطهاد ،لأنهم يبدون غامضين ، في أغلب الأوقات ، شجعانا يدافعون عن وجهات نظرهم بالعيش المستقل:
مرة أخرى
أشاطرك الهجوم علي.
برمح السياسة من قبل.
وبسم اللسان من بعد.
ولا ذنب لي.
سوى إنني لم أكن عبدك.
ولن أصبح سيدك.
أما دمي.
فسألعقه بلساني
كي لا يقطر قلمي
بالحبر الأسود وحده
فانظر أين أنت
بعد أن ينجلي الغبار
في قصة ( مقايضة) تتضح بصورة جلية، رغبة الإنسان ان يكون نفسه ، وليس شخصا آخر ، فهو مستعد أن يدفع كل شيء، من اجل ان يحافظ على استقلاليته ورغبته ان يكون وحيدا، في الوقت الذي يريد ، في عالم يعيش فيه الكثيرون ، فاقدين لشروط العيش الكريم والاستقلال بالرأي وقول ما نعتقد، انه الحق دون ان تعترض طريقنا الصعوبات ، او يضع احدهم الأحجار ، المادية والمعنوية ، للحيلولة دون تحقيق ذواتنا وتمثيل أنفسنا ، رغم أن محاولاتنا الكثيرة تقابل أحيانا، بعواء الذئاب حين يجدون أنفسهم عاجزين عن إخضاعنا لسلطاتهم مهما فعلوا:
بعد صبر طويل، وقف عليه وقال :
كم تريد
كي لا تنبح
على وحدتي.......
فترديني غريبا
يا شبيه
كلب الخيمة ؟
أجابه بضحكة ساخرة
مثل عواء ذئب
في قصة ( وحدة) تبدو الرغبة واضحة في ان يكون الإنسان نفسه ، فهو مستعد أن يموت ،على ان يعيش بين ذئاب لا يحترمون آدميته ، ويتوقع منهم أن ينهشوا لحمه ، ويقضوا على وحدته ، ورغبته ان يكون إنسانا يعيش وحيدا، على ان يكون مجرد ذئب فاقد الهوية والمضمون
والقصة تمثل مطاردة بين إنسان، يحرص كل الحرص على الحفاظ على إنسانيته ، وبين مجموعة من المخلوقات، تأبى ان يظل احدها مختلفا عنهم،
تجري وراءه محاولة النيل من إصراره ، ولكن محاولاتها تذهب عبثا، أمام إرادته القوية ، فهو يصرخ والإعياء مسيطر عليه، ان الأفضل له ان يموت غريبا ، على أن يهرس بأنيابهم المفترسة:
كان هاربا ، وهم وراءه
صاح من أعلى التل ، وهو يكاد يسقط من الإعياء :
أموت
وليس بينكم
تنهشون
وحدتي
....... بأنيا
......... بكم
في قصة ( غابة أحلام) تستحيل الأحلام العريضة، الى حيوانات ذات قرون تنخس الناس جهة الكلية ، وتتضح لنا الحياة رهيبة ، تحكم على أناسها بموت الأحلام، واستحالة ان يكون الواقع، اقل سوءا مما نعيشه ، حتى ان أخذنا ممحاة، ومسحنا مالا نريده ، راسمين ما نحب من الأشياء الوردية الجميلة:
أخذ ممحاة كبيرة
محا السيارة وراكبها
عوض السيارة رسم غابة ، وعوض الراكب رسم حيونا
حدق طويلا
حيوان يتقدم الى غابة أحلامه ، أحس بقرنه ينخسه جهة الكلية.....
أفاق.....
كانت مرآة السيارة تدفعه في بطنه.
المهاجر سمع كل السباب ونعوت الحيوانات، رغم الأغنية الصاخبة المنبعثة من سيارته في الساحة المكتظة
في قصة ( انتظار) يتبين ذلك الانتظار الرهيب ،الذي نحيا جميعا خاضعين له ، كل حياتنا انتظار ، لأشياء عديدة ، بعضها يتحقق لنا ونكتشف أن انتظارنا له كان ناجحا ، وأكثر الأمور لا يمكن تحققها في حياة عدمية ، تظل عابسة في وجه بني البشر ، ويبقى الانتظار ذا سطوة كبيرة ، لا قبل للناس جميعا بالتخلص منه ، فمن ينقذ الأطفال المسجونين في غرفة الصف من قسوة بعض الأساتذة ، ومن يمكن ان يحقق للمرء تلك الأماني البسيطة ، التي تراوده باستمرار؟ ، وكيف يمكن ان نخلق جمال الحياة دون انتظار شروق الشمس، ومجيء الصباح و موعد الغروب؟ ومجيء سيارة قادمة من بعيد ، تحمل معها الحبيب المنتظر، أو تحقق بعض الطموحات:
انتظر أن تدق
أن يرن الهاتف
أن يتدافع الأولاد متسابقين
انتظرت الغنم أن يصفر الراعي
انتظر الراعي أن تأذن الشمس
انتظرت الخيمة ان تشتعل النار
وانتظرت هي بين المضارب
أن ينكشف نور
نور سيارة
يأتي من بعيد
كل شيء يتحدث بهذه القصص الجميلة ، الأحجار والجبال والعمارة تتحدث ( وبلسان سكانها )عن متاعبها الكثيرة ، وتستمع الى ما يدور من قصص، تأتيها من وراء البحار وتنام مطمئنة في الليل حتى إذا ما حل الصباح، تعثرت بالكلاب الضالة والعربات اليدوية، في هذه القصة الجميلة ، التي تتكرر حوادثها ، باستمرار في مدننا ، نستمع الى ذلك الحديث:
في الليل تفتح العمارة آذانها المقعرة.
تسمع قصة سعيدة تأتيها من وراء البحار
وتنام
في الصباح تتعثر بعربات يدوية وبعض الكلاب الضالة
تقف في رتل طويل أمام مخبزة ( محماد)
تلعن في سرها ( بالفرنسية) اختلالا في الصف
في اليقظة ترى نباشا يغتصبها ، كان قد وصل باكرا إلى صندوق القمامة
بسرعة أخذ يعزل القنينات الفارغة والعلب.....
احتفظ بثياب داخلية....... مزق أخرى ، لاعنا في نفسه( بدارجة خشنة)
تتواصل قصص الشباب المقهورين ، الذين لم يعيشوا حيواتهم ، وذاقوا المرارة حتى الثمالة ، وانطوت أيامهم ، يابسة جافة ، قد هجرها ينبوع الحياة ، في ( أبواب) نجد الرغبة العارمة في حياة طبيعية ، سرعان ما تندثر من شدة ما تواجه من انكسارات :
أمسى ينتبه الى قلبه المفتوح مثل ترعة كبيرة
عبرت منه كثيرات وكأنهن سائرات في النوم
عندما سمع طرقات على قلبه
وهي تدق بأصابعه المترقرقة
كان قد أغلق الباب
من الداخل جاء صوته المتعب:
- ( ما كاين حد).
قصص قصيرة جدا ، برع الكاتب في التكثيف بمهارة، تدل على طول الخبرة وقوة المران ، والقدرة على انتقاء اللفظة الموحية ، ولكن من هم قراء هذا القاص المبدع ؟ ومن له القدرة على الغوص في روعة هذا السرد للتمتع بجمال اللؤلؤ ؟ والقاص قد ابدع في التكثيف والحذف والإتيان بالصور الشعرية؟
ففي القصة القصيرة جدا ( حب) كلمات قليلة ، تعبر عن خيبة متلاحقة ،بحجم الكون عن أبطال، يسقطون صرعى مضرجين من نبال حب عاثر ، وما أكثره في حياتنا الخالية من الحب الصحيح:
رآه البحر يقترب ، يجري حافيا
ويجري
ليسقط في الرمل
مضرجا هكذا بحب عابر
انها قصص واقعية، زمنها قروننا اليابسة التي لا نماء فيها ، ومكانها ارض ممتدة من الماء إلى الماء ، تكثر الخيرات ويقضي المرء محروما من كل المزايا التي تبهج ، ورغم كل شيء يواصل النضال
من إصدارات الكاتب
- منديل للبحر : مجموعة قصصية 2002 – مطبعة المتقي برنتر- المحمدية
- حكاية صفراء لقمر النسيان- رواية- - الطبعة الاولى2003- مطبعة وليلي- مراكش- منشورات غرب ميديا- القنيطرة الطبعة الثانية 2007- دار الحرف
- صباح الخير ايتها الوردة – رواية – الطبعة الأولى 2006- مطبعة المتقي برينتر- المحمدية – الناشر :مكتبة الفن- القنيطرة – الطبعة الثانية2007 – دار الحرف
صبيحة شبر
(ضفائر الغابة ) ومضات ناطقة بالتنديد
لواقع ينضح سوءا
صدر للقاص المغربي المميز( محمد فاهي) مجموعته القصصية القصيرة جدا ( ضفائر الغابة)
عن منشورات أزمنة / عمان الأردن ، تتضمن ثلاثا وستين قصة قصيرة جدا ، في سبع وسبعين صفحة ، والأخ محمد فاهي من الكتاب المغاربة المشهورين ، الذين استطاعوا ان يؤسسوا لهم بصمة قصصية ملموسة في هذا الفن الصعب جدا ، والعسير على الانقياد لإرادة المسّّير ، حيث التركيز والتكثيف والحذف والرمز ، وقول الأشياء الكثيرة في كلمات قصار ، قصصه ومضات ساحرة، تستهوي القراء، وتدفعهم إلى إمعان النظر في واقعنا المأزوم ، القدرة على انتقاء الألفاظ تتجلى واضحة ، في قصص المجموعة ، التي تجمع بين القصيدة النثرية والسرد ، بأسلوب فريد ممتع ، ، ففي قصة ( حجر على الطريق) يكثر الرمز لأطفال تعساء لا يملكون القدرة على استعمال المحفظة ، ويستعيضون بالكيس ، يملؤهم الخوف من ترقب خروج كلب ، ويمضي العمر والأطفال يتلفتون، تشدهم حبال سميكة ، لا قدرة لهم باجتيازها ، قضبان لا مرئية ، وسجون داخل نفس الإنسان وخارجها والحجر الذي وضعوه بأنفسهم في الطريق ، ينظر إليهم بشزر ، حائلا بينهم وبين ما يبتغونه من جمال ، وكأنه الشوك يعترض ورود الحياة:
في الطريق الى المدرسة كنت أضع حجرا وأقول :
عندما أعود مساء، سوف أتذكر ان طفلا مر من هنا ، يحمل كيسا عوض محفظة، يلتفت يمينا وشمالا خوفا من كلب يخرج من جهة ما ، لكنه عندما يؤوب والظلام قد أخذ يمسح معالم الجبال القريبة يقول للحجر:
آه
أيها الحجر
أنت الذي
في اليوم الأخير ، يمر على الحجر المنتصب عنوة، يتوقف عنده قليلا، يشعر كأنما ينظر إليه بشزر
فيمضي متلفتا
متلكئا كأنه مشدود بحبل
يمضي بعيدا في العمر
يضع هذه القصة ويقول.......
في قصة ( ضفائر الغابة) التي اختار القاص عنوانها للمجموعة ، تطالعنا قصة متنوعة الدلالات ، لها أكثر من تفسير ، تختلف القراءات في شأنها ، لأي شيء ترمز الطيور ؟ و دائخة أيضا ؟ ولماذا لم يربح احد الثلاثة الرهان ؟ وما نوع الطائرة التي كانت تغير على الحقول ؟ وبأمر من كانت تطير ؟ لتحاذي هامات القطن ؟
جمعنا الطيور الدائخة وقتلناها ضفائر للغابة
تراهنا على ثلاثة:
إما إنها حزينة
إما إنها في عيد
وإما إنها ستزف وهي بعد صغيرة.
البيت الصغير الذي يلوح من الغابة قصدناه ، وجدنا حلقة الأصحاب ، يتندرون.
قال ( كلاص) لصديقه :
- راسك مثل رأس حمار في حقل ، هارب من طيارة.
ضحكنا واتجهنا إلى الحقل.
كانت الطائرة تستدير بعيدا ، تنعطف فجأة ، ثم تغير على هامات الحقول وقد بدا حجمها أكبر ، وراءها خيط كبير ، عندما تحاذي هامات القطن ، تغطس أكثر وتسكت عن الهدير.
لم يربح احدنا الرهان ، لكننا ركبنا طائرات من قصب ، وصرنا نعدو وكأننا نطير
في قصة ( لا تكن نسرا) رمز من يقضي العمر كله، مناضلا يجمع الرزق ، ويبني المستقبل لبنة بعد لبنة ، يسير بتأن يثير الإعجاب ، من ثقة بالنفس متمكنة ، ومن دراية كبيرة في صنع الحياة ، فلا تكن نسرا تعتدي على الحيوات الأخرى، وتسلب منها ما بقيت تكافح من اجله، كفاح الأبطال وتستمر في نضالها الطويل ، حتى وان اعترضت طريقها الصعوبات :
انظر فقط
كيف
ت
ل
ت
ق
ط
حمامة
حبة وراء حبة وراء حبة....
ورا.....ح.........اّ...... ب
وفي قصة ( سندباد) يستخدم القاص الرمز بمهارة ، لتغير صنوف العيش ، ومواجهة الصعاب ، وتبدل الرفاق وتشتت المجتمعات ، فما الذي واجهته مجموعة الأربعة أشخاص ، هل رمز بهم للأسرة ؟ أب وأم وطفلان ؟ يواجهون مفترق الطرق ، وكل منهم يسير الى وجهة ،تختلف عن وجهة صاحبه ، وهكذا الحياة ، لا تستقيم على امر واحد ، ومن العسير جدا أن يظل المتفقون على اتفاقهم ، والقصة تتضمن الكثير من الدلالات
ماذا حدث
أيها السندباد
في مفترق
الطرق
حيث كنتم أربعة
طفل
طفلة
امرأة
وأنت ؟
في قصة ( احمر واسود): تتجلى رغبة الإنسان ان يكون حرا مستقلا ، غير خاضع لأحد ، يمثل نفسه ، لا يسعى الى الهيمنة على أشخاص معينين ، وسلبهم حرياتهم ، كما انه لايود ان يكون تابعا للآخرين ، متحدثا باسمهم ، والرغبة ان تكون حرا وتحترم حرية الآخرين أيضا، وان بدت أمر يسيرا، إلا انه صعب التحقق كثيرا، في مجتمعاتنا التي اعتادت، على نوعين من الناس، إما خاضعا للأخر وناطقا عنه ، او مسيطرا على الآخرين سالبا منهم إرادتهم ، وهؤلاء الأحرار المنادون بالحرية، لهم ولغيرهم كثيرا ما تعرضوا للاضطهاد ،لأنهم يبدون غامضين ، في أغلب الأوقات ، شجعانا يدافعون عن وجهات نظرهم بالعيش المستقل:
مرة أخرى
أشاطرك الهجوم علي.
برمح السياسة من قبل.
وبسم اللسان من بعد.
ولا ذنب لي.
سوى إنني لم أكن عبدك.
ولن أصبح سيدك.
أما دمي.
فسألعقه بلساني
كي لا يقطر قلمي
بالحبر الأسود وحده
فانظر أين أنت
بعد أن ينجلي الغبار
في قصة ( مقايضة) تتضح بصورة جلية، رغبة الإنسان ان يكون نفسه ، وليس شخصا آخر ، فهو مستعد أن يدفع كل شيء، من اجل ان يحافظ على استقلاليته ورغبته ان يكون وحيدا، في الوقت الذي يريد ، في عالم يعيش فيه الكثيرون ، فاقدين لشروط العيش الكريم والاستقلال بالرأي وقول ما نعتقد، انه الحق دون ان تعترض طريقنا الصعوبات ، او يضع احدهم الأحجار ، المادية والمعنوية ، للحيلولة دون تحقيق ذواتنا وتمثيل أنفسنا ، رغم أن محاولاتنا الكثيرة تقابل أحيانا، بعواء الذئاب حين يجدون أنفسهم عاجزين عن إخضاعنا لسلطاتهم مهما فعلوا:
بعد صبر طويل، وقف عليه وقال :
كم تريد
كي لا تنبح
على وحدتي.......
فترديني غريبا
يا شبيه
كلب الخيمة ؟
أجابه بضحكة ساخرة
مثل عواء ذئب
في قصة ( وحدة) تبدو الرغبة واضحة في ان يكون الإنسان نفسه ، فهو مستعد أن يموت ،على ان يعيش بين ذئاب لا يحترمون آدميته ، ويتوقع منهم أن ينهشوا لحمه ، ويقضوا على وحدته ، ورغبته ان يكون إنسانا يعيش وحيدا، على ان يكون مجرد ذئب فاقد الهوية والمضمون
والقصة تمثل مطاردة بين إنسان، يحرص كل الحرص على الحفاظ على إنسانيته ، وبين مجموعة من المخلوقات، تأبى ان يظل احدها مختلفا عنهم،
تجري وراءه محاولة النيل من إصراره ، ولكن محاولاتها تذهب عبثا، أمام إرادته القوية ، فهو يصرخ والإعياء مسيطر عليه، ان الأفضل له ان يموت غريبا ، على أن يهرس بأنيابهم المفترسة:
كان هاربا ، وهم وراءه
صاح من أعلى التل ، وهو يكاد يسقط من الإعياء :
أموت
وليس بينكم
تنهشون
وحدتي
....... بأنيا
......... بكم
في قصة ( غابة أحلام) تستحيل الأحلام العريضة، الى حيوانات ذات قرون تنخس الناس جهة الكلية ، وتتضح لنا الحياة رهيبة ، تحكم على أناسها بموت الأحلام، واستحالة ان يكون الواقع، اقل سوءا مما نعيشه ، حتى ان أخذنا ممحاة، ومسحنا مالا نريده ، راسمين ما نحب من الأشياء الوردية الجميلة:
أخذ ممحاة كبيرة
محا السيارة وراكبها
عوض السيارة رسم غابة ، وعوض الراكب رسم حيونا
حدق طويلا
حيوان يتقدم الى غابة أحلامه ، أحس بقرنه ينخسه جهة الكلية.....
أفاق.....
كانت مرآة السيارة تدفعه في بطنه.
المهاجر سمع كل السباب ونعوت الحيوانات، رغم الأغنية الصاخبة المنبعثة من سيارته في الساحة المكتظة
في قصة ( انتظار) يتبين ذلك الانتظار الرهيب ،الذي نحيا جميعا خاضعين له ، كل حياتنا انتظار ، لأشياء عديدة ، بعضها يتحقق لنا ونكتشف أن انتظارنا له كان ناجحا ، وأكثر الأمور لا يمكن تحققها في حياة عدمية ، تظل عابسة في وجه بني البشر ، ويبقى الانتظار ذا سطوة كبيرة ، لا قبل للناس جميعا بالتخلص منه ، فمن ينقذ الأطفال المسجونين في غرفة الصف من قسوة بعض الأساتذة ، ومن يمكن ان يحقق للمرء تلك الأماني البسيطة ، التي تراوده باستمرار؟ ، وكيف يمكن ان نخلق جمال الحياة دون انتظار شروق الشمس، ومجيء الصباح و موعد الغروب؟ ومجيء سيارة قادمة من بعيد ، تحمل معها الحبيب المنتظر، أو تحقق بعض الطموحات:
انتظر أن تدق
أن يرن الهاتف
أن يتدافع الأولاد متسابقين
انتظرت الغنم أن يصفر الراعي
انتظر الراعي أن تأذن الشمس
انتظرت الخيمة ان تشتعل النار
وانتظرت هي بين المضارب
أن ينكشف نور
نور سيارة
يأتي من بعيد
كل شيء يتحدث بهذه القصص الجميلة ، الأحجار والجبال والعمارة تتحدث ( وبلسان سكانها )عن متاعبها الكثيرة ، وتستمع الى ما يدور من قصص، تأتيها من وراء البحار وتنام مطمئنة في الليل حتى إذا ما حل الصباح، تعثرت بالكلاب الضالة والعربات اليدوية، في هذه القصة الجميلة ، التي تتكرر حوادثها ، باستمرار في مدننا ، نستمع الى ذلك الحديث:
في الليل تفتح العمارة آذانها المقعرة.
تسمع قصة سعيدة تأتيها من وراء البحار
وتنام
في الصباح تتعثر بعربات يدوية وبعض الكلاب الضالة
تقف في رتل طويل أمام مخبزة ( محماد)
تلعن في سرها ( بالفرنسية) اختلالا في الصف
في اليقظة ترى نباشا يغتصبها ، كان قد وصل باكرا إلى صندوق القمامة
بسرعة أخذ يعزل القنينات الفارغة والعلب.....
احتفظ بثياب داخلية....... مزق أخرى ، لاعنا في نفسه( بدارجة خشنة)
تتواصل قصص الشباب المقهورين ، الذين لم يعيشوا حيواتهم ، وذاقوا المرارة حتى الثمالة ، وانطوت أيامهم ، يابسة جافة ، قد هجرها ينبوع الحياة ، في ( أبواب) نجد الرغبة العارمة في حياة طبيعية ، سرعان ما تندثر من شدة ما تواجه من انكسارات :
أمسى ينتبه الى قلبه المفتوح مثل ترعة كبيرة
عبرت منه كثيرات وكأنهن سائرات في النوم
عندما سمع طرقات على قلبه
وهي تدق بأصابعه المترقرقة
كان قد أغلق الباب
من الداخل جاء صوته المتعب:
- ( ما كاين حد).
قصص قصيرة جدا ، برع الكاتب في التكثيف بمهارة، تدل على طول الخبرة وقوة المران ، والقدرة على انتقاء اللفظة الموحية ، ولكن من هم قراء هذا القاص المبدع ؟ ومن له القدرة على الغوص في روعة هذا السرد للتمتع بجمال اللؤلؤ ؟ والقاص قد ابدع في التكثيف والحذف والإتيان بالصور الشعرية؟
ففي القصة القصيرة جدا ( حب) كلمات قليلة ، تعبر عن خيبة متلاحقة ،بحجم الكون عن أبطال، يسقطون صرعى مضرجين من نبال حب عاثر ، وما أكثره في حياتنا الخالية من الحب الصحيح:
رآه البحر يقترب ، يجري حافيا
ويجري
ليسقط في الرمل
مضرجا هكذا بحب عابر
انها قصص واقعية، زمنها قروننا اليابسة التي لا نماء فيها ، ومكانها ارض ممتدة من الماء إلى الماء ، تكثر الخيرات ويقضي المرء محروما من كل المزايا التي تبهج ، ورغم كل شيء يواصل النضال
من إصدارات الكاتب
- منديل للبحر : مجموعة قصصية 2002 – مطبعة المتقي برنتر- المحمدية
- حكاية صفراء لقمر النسيان- رواية- - الطبعة الاولى2003- مطبعة وليلي- مراكش- منشورات غرب ميديا- القنيطرة الطبعة الثانية 2007- دار الحرف
- صباح الخير ايتها الوردة – رواية – الطبعة الأولى 2006- مطبعة المتقي برينتر- المحمدية – الناشر :مكتبة الفن- القنيطرة – الطبعة الثانية2007 – دار الحرف
صبيحة شبر
السبت، 20 سبتمبر 2008
القسم : قصة قصيرة
القســـم
ما زالت رسائله تواصل الانهمار علي ، سائلة إياي ان كنت غاضبا من تصرفه ، وكل مرة أجيبه بالنفي ، فهو عزيز لدي وأثير على نفسي ، ومن المستحيل ان يؤدي تصرفه الى غضبي ، او الى إثارة نقمتي ، كل ما في الأمر انه قد أثار حيرتي بأعماله التي لا أجد لها تفسيرا ، وانه يجعلني أشفق على نفسي ، فانا أحبه كثيرا ، رسالته الأخيرة تنبئني انه عرف أخيرا بحقيقة الأمر ، وانه تسرع بإصدار حكمه على ظواهر الأمور ، وكان من واجبه ان يتريث قليلا ، ليتيقن من دو اخل نفوس البشر ، وتصرفاتهم الغريبة التي تدعو الى الاندهاش
حاولت مرارا ان أتناسى الأمر ، مسدلا عليه ستار التغاضي ، ولكن رسائله ما فتئت تذكرني إنني شخص مجني عليه أحيانا ، بسبب طيبتي المفرطة او سذاجتي التي لا مبرر علميا لها
لم يطلب مني احدهم القسم، على أمر من الأمور ، فقد كنت دائما موضع ثقة ، وأنا أتحرج من هذه المسألة ، لماذا يطلب شخص ما منك ، ان تقسم له بأغلظ الأيمان انك لم تقم بعمل ، قد اتهمك به احد المغرضين ، مررت بلحظات عصيبة كنت ألاحظ تكذيبا لما أقول على سنحة السامع ، ولكني حين انظر اليه يسارع الى القول
- إني افهم كلامك ، استمر
يقول أصدقائي ان وجهي كتاب مفتوح ، يمكن لمن يتحدث معي ان يلمس صدقي ، فان كذبت ظهرت علامات الكذب ، واضحة على محياي
ولكن هذه المرة أتاني طلب ، من إنسان قريب مني ، أكن له كل الود ، ان اقسم وبكتاب الله ان ما تقوله هذه المرأة كذب واحتيال ،
أخذت على حين غرة كما يقولون ، أردت ان أدافع عن نفسي ، فلم يشأ لساني ان يتحرك ، وشعرت ان قوة كبيرة تجثم على أنفاسي ، وتسلبني الإرادة ، وان خصمي اشد مكرا مني ودهاء ،وأنني كنت دائما سليم النية طاهر الطوية.
الرسالة الأخيرة أمامي ، تنبئني انه عرف الحقيقة أخيرا ، وانه تسرع كثيرا في الحكم ، مما سبب التضحية بصديق عزيز ، من الصعب جدا العثور على مثاله في هذه الأيام.
أتتني السيدة زوجته ، تريد ان تستلف مني نقودا ، لأنها صرفت ما هو مخصص لإيجار المنزل ،في شراء حاجات خاصة لها ، وأنها لم ترد ان تخبره بالأمر ، لئلا يغضب ويثور ، وأنها سوف ترد لي ما أخذته بعد ثلاثة أيام حين تسال أخاها ان يمنحها ما تريد .
تمضي الأيام الثلاثة ، والأسبوع ،ثم يمر شهر ، أكون بحاجة الى استرداد نقودي ، فانا موظف ، ولا املك فائضا من الأموال
تفاجئني التهمة ،التي لم أكن أتوقعها أبدا ، ومن أخت لي ، وزوجة اعز صديق
- صديقك يراودني عن نفسي.
يستبد الغضب بصديق العمر ، وكأنه لم يعرفني أبدا
- ليقسم كلاكما ، هذا القران
مشهد تمثيلي لممثلة ماهرة ، تبكي بحرارة لا مثيل لها وتقسم بأيمان مغلظة ،
- وحق كلام الله ، صديقك أتاني.
يستبد بي الغضب ، ولا أعلم كيفية التصرف في هذا النوع من الامور الذي يداهمك ، على حين غفلة منك ، ولم أستطع ان اغير طبيعتي ، التي تميل الى تصديق الناس ، وتبرير أعمالهم ، وخاصة ان كانوا أصدقاء خلص ، يعز مثيلهم في هذا الزمن الموبوء .
وها هي رسالته تأتيني ، فأقرأ فيها حرارة الصداقة التي افتقدتها ، لعل الأيام تنسيني ما سببت لي من جروح .
صبيحة شبر
ما زالت رسائله تواصل الانهمار علي ، سائلة إياي ان كنت غاضبا من تصرفه ، وكل مرة أجيبه بالنفي ، فهو عزيز لدي وأثير على نفسي ، ومن المستحيل ان يؤدي تصرفه الى غضبي ، او الى إثارة نقمتي ، كل ما في الأمر انه قد أثار حيرتي بأعماله التي لا أجد لها تفسيرا ، وانه يجعلني أشفق على نفسي ، فانا أحبه كثيرا ، رسالته الأخيرة تنبئني انه عرف أخيرا بحقيقة الأمر ، وانه تسرع بإصدار حكمه على ظواهر الأمور ، وكان من واجبه ان يتريث قليلا ، ليتيقن من دو اخل نفوس البشر ، وتصرفاتهم الغريبة التي تدعو الى الاندهاش
حاولت مرارا ان أتناسى الأمر ، مسدلا عليه ستار التغاضي ، ولكن رسائله ما فتئت تذكرني إنني شخص مجني عليه أحيانا ، بسبب طيبتي المفرطة او سذاجتي التي لا مبرر علميا لها
لم يطلب مني احدهم القسم، على أمر من الأمور ، فقد كنت دائما موضع ثقة ، وأنا أتحرج من هذه المسألة ، لماذا يطلب شخص ما منك ، ان تقسم له بأغلظ الأيمان انك لم تقم بعمل ، قد اتهمك به احد المغرضين ، مررت بلحظات عصيبة كنت ألاحظ تكذيبا لما أقول على سنحة السامع ، ولكني حين انظر اليه يسارع الى القول
- إني افهم كلامك ، استمر
يقول أصدقائي ان وجهي كتاب مفتوح ، يمكن لمن يتحدث معي ان يلمس صدقي ، فان كذبت ظهرت علامات الكذب ، واضحة على محياي
ولكن هذه المرة أتاني طلب ، من إنسان قريب مني ، أكن له كل الود ، ان اقسم وبكتاب الله ان ما تقوله هذه المرأة كذب واحتيال ،
أخذت على حين غرة كما يقولون ، أردت ان أدافع عن نفسي ، فلم يشأ لساني ان يتحرك ، وشعرت ان قوة كبيرة تجثم على أنفاسي ، وتسلبني الإرادة ، وان خصمي اشد مكرا مني ودهاء ،وأنني كنت دائما سليم النية طاهر الطوية.
الرسالة الأخيرة أمامي ، تنبئني انه عرف الحقيقة أخيرا ، وانه تسرع كثيرا في الحكم ، مما سبب التضحية بصديق عزيز ، من الصعب جدا العثور على مثاله في هذه الأيام.
أتتني السيدة زوجته ، تريد ان تستلف مني نقودا ، لأنها صرفت ما هو مخصص لإيجار المنزل ،في شراء حاجات خاصة لها ، وأنها لم ترد ان تخبره بالأمر ، لئلا يغضب ويثور ، وأنها سوف ترد لي ما أخذته بعد ثلاثة أيام حين تسال أخاها ان يمنحها ما تريد .
تمضي الأيام الثلاثة ، والأسبوع ،ثم يمر شهر ، أكون بحاجة الى استرداد نقودي ، فانا موظف ، ولا املك فائضا من الأموال
تفاجئني التهمة ،التي لم أكن أتوقعها أبدا ، ومن أخت لي ، وزوجة اعز صديق
- صديقك يراودني عن نفسي.
يستبد الغضب بصديق العمر ، وكأنه لم يعرفني أبدا
- ليقسم كلاكما ، هذا القران
مشهد تمثيلي لممثلة ماهرة ، تبكي بحرارة لا مثيل لها وتقسم بأيمان مغلظة ،
- وحق كلام الله ، صديقك أتاني.
يستبد بي الغضب ، ولا أعلم كيفية التصرف في هذا النوع من الامور الذي يداهمك ، على حين غفلة منك ، ولم أستطع ان اغير طبيعتي ، التي تميل الى تصديق الناس ، وتبرير أعمالهم ، وخاصة ان كانوا أصدقاء خلص ، يعز مثيلهم في هذا الزمن الموبوء .
وها هي رسالته تأتيني ، فأقرأ فيها حرارة الصداقة التي افتقدتها ، لعل الأيام تنسيني ما سببت لي من جروح .
صبيحة شبر
الاثنين، 15 سبتمبر 2008
مستقبل القصة القصيرة
مستقبل القصة القصيرة
كثيرا ما نسمع الأقوال ، التي يرددها العارفون بالأدب العربي ، عن مستقبل القصة القصيرة ، وإنها الى زوال حتمي ، ومعللين هذا الادعاء الكبير ، والذي يبتعد كثيرا عن الصحة ، إنها جنس دخيل ، على الأدب العربي ، الذي عرف الشعر منذ القديم ، منذ عصر ما قبل الإسلام ، وبقيت للشعر رغم توالي العصور ، وانبثاق الأمم ، وزوال الدول ، تلك الحظوة لدى الجماهير العربية ، التي لم تجمع ، على الإعجاب بأي لون أدبي ، او جنس فني ، الا للشعر وخاصة منه ما كان موزونا مقفى ، أما ما كان بغير هذا الشكل ، ولامسه بعض التغيير الشكلي ، فقد جوبه بردة فعل كبرى ، من قبل الجماهير ، التي ارتأت ان يكون الشعر بالشكل الذي يتناسب مع ذائقتها ، وظل الشعر متربعا على عرش الاهتمام ، لا يمكن ان ينافسه النثر ، حتى وان فاز الأخير بأعظم الجوائز ، لدى الغرب ، واستحق اكبر آيات الإعجاب ، حين يصلنا ، كانت الخطبة تبرز في الأوقات ، التي تحتاج فيها الدول الى تعبئة الرأي العام ، واستنهاض الهمم ، لعمل معين ، ويكون اغلب الأوقات بطوليا ، يستدعي الشجاعة ، وفقدت الخطب اهميتها الادبية ، في العالم المعاصر ، وبعد ان اتصل العرب بالعالم الأوربي ، برزت فنون أخرى نثرية، مثل الرواية والقصة القصيرة ، التي يظنها بعض النقاد ، إحدى الوسائل التي توصل كاتبها إلى فن كتابة الرواية ، التي تحتاج إلى مران طويل ،وتمرس ودراية في الفن النثري ، ومعرفة كبيرة ،صقلتها التجربة ، فلماذا كانت للقصة القصيرة هذه النظرة ؟ ولماذا يراها البعض ، وكأنها جنس فاقد الأهلية ، كي يعتبر من الأجناس الأدبية المهمة ، مع إنها فن عسير ، لا يستطيع المهارة فيه ، الا من نجح في الإجادة ، وامتلك الأدوات الفنية ،التي تؤهله للكتابة في هذا الفن ،المأكول المذموم ،كما يقول المثل العربي المشهور ، فالقصة وان كانت بحاجة الى التكثيف واللغة العالية ، التي لا يحسنها الكثيرون ، تظل جنسا أدبيا ينال الإعجاب أحيانا ، وينتقص منه أحيانا أخرى ، لان بعض الكتاب ،يحيل إليهم ان الخاطرة تشبهه ، وان كل من توهم انه وقع في الحب يوما ، يتراءى له انه يستطيع، ان يدبج قصصا قصيرة تستهوي القلوب ، وتعجب بها الأفئدة ، فما الحكم في أن هذه الكتابة ، تتصف باحترام المواصفات الفنية ، التي يتطلبها الجنس الأدبي المعين ، أو لا تحترم ؟ ما دام كل من يمسك القلم ، يظن انه قصصي بارع ، ينافس أعظم كتاب القصة القصيرة.
ولماذا يطرح الكثيرون هذا السؤال، الذي يبدو بسيطا ، لكن الغرض منه غير واضح أبدا ، فليس مفهوما أبدا ان يدعي البعض ، ان القصة القصيرة لا مستقبل لها ، وان المستقبل سيظل مع الشعر ملك الإبداع المتوج ، وان الرواية سوف تأخذ بنصيبها من إعجاب القارئ ، وان القصة القصيرة جدا، قد استطاعت ان تسحب البساط الذي لم يفرش أبدا ، من تحت أقدام القصة القصيرة ، هل ان السبب استسهال كتابتها من قبل أكثرية الكتاب ، وإن بعضهم يخلطون بينها ، وبين الحكاية القديمة ، التي كنا نسمعها من جداتنا ، أثناء الطفولة ، فالقصة المكثفة تجد الكثير ، من يدعي إنها ليست مفهومة ، وقد تفسر وتحلل بطريقة خاطئة ، وكأن درجة فهم المقروء يتساوى فيها الناس جميعا ـ الأدباء المجيدون ، والراغبون بالقراءة لقتل الوقت ، وليس حبا بالمقروء ، ومن ما زال يحبو في عالم القراءة الواعية ، ولماذا يفقد النقاد الكبار ، الاهتمام بالقصص القصيرة ؟، ويأتي نقدهم مقصورا على الشعر والرواية ، عدد كبير من المجموعات القصصية ، تصدر في الأقطار العربية ، دون ان تحظى بناقد مجيد ، عرف عنه إتقان النقد ، والتجربة فيه ، والإنصاف ، نعم الإنصاف ، الذي يحتاجه الكتاب والنقاد جميعا ، والذي نجد ان حياتنا قد خلت منه في كل الميادين ، وليس في دنيا الأدب فقط ، فوجد الكتاب وحدهم ، يجابهون كثيرا ، بدعوى إنهم يقولون ما لا يفهم
ولا يقتصر التجاهل لأهمية القصة القصيرة ، على القراء والنقاد فحسب ، إنما دور الطباعة والنشر ، لها تجاهلها أيضا للقصص القصيرة ، وللكتاب القاصين
وحتى المهرجانات التي تقام في هذه الدولة او تلك ، فانها تستثني كتاب القصة القصيرة من دعواتها ، التي كثيرا ما تكون وفق سياسة الصداقات، والمصالح المتبادلة
صبيحة شبر
14 – 9 -2008
كثيرا ما نسمع الأقوال ، التي يرددها العارفون بالأدب العربي ، عن مستقبل القصة القصيرة ، وإنها الى زوال حتمي ، ومعللين هذا الادعاء الكبير ، والذي يبتعد كثيرا عن الصحة ، إنها جنس دخيل ، على الأدب العربي ، الذي عرف الشعر منذ القديم ، منذ عصر ما قبل الإسلام ، وبقيت للشعر رغم توالي العصور ، وانبثاق الأمم ، وزوال الدول ، تلك الحظوة لدى الجماهير العربية ، التي لم تجمع ، على الإعجاب بأي لون أدبي ، او جنس فني ، الا للشعر وخاصة منه ما كان موزونا مقفى ، أما ما كان بغير هذا الشكل ، ولامسه بعض التغيير الشكلي ، فقد جوبه بردة فعل كبرى ، من قبل الجماهير ، التي ارتأت ان يكون الشعر بالشكل الذي يتناسب مع ذائقتها ، وظل الشعر متربعا على عرش الاهتمام ، لا يمكن ان ينافسه النثر ، حتى وان فاز الأخير بأعظم الجوائز ، لدى الغرب ، واستحق اكبر آيات الإعجاب ، حين يصلنا ، كانت الخطبة تبرز في الأوقات ، التي تحتاج فيها الدول الى تعبئة الرأي العام ، واستنهاض الهمم ، لعمل معين ، ويكون اغلب الأوقات بطوليا ، يستدعي الشجاعة ، وفقدت الخطب اهميتها الادبية ، في العالم المعاصر ، وبعد ان اتصل العرب بالعالم الأوربي ، برزت فنون أخرى نثرية، مثل الرواية والقصة القصيرة ، التي يظنها بعض النقاد ، إحدى الوسائل التي توصل كاتبها إلى فن كتابة الرواية ، التي تحتاج إلى مران طويل ،وتمرس ودراية في الفن النثري ، ومعرفة كبيرة ،صقلتها التجربة ، فلماذا كانت للقصة القصيرة هذه النظرة ؟ ولماذا يراها البعض ، وكأنها جنس فاقد الأهلية ، كي يعتبر من الأجناس الأدبية المهمة ، مع إنها فن عسير ، لا يستطيع المهارة فيه ، الا من نجح في الإجادة ، وامتلك الأدوات الفنية ،التي تؤهله للكتابة في هذا الفن ،المأكول المذموم ،كما يقول المثل العربي المشهور ، فالقصة وان كانت بحاجة الى التكثيف واللغة العالية ، التي لا يحسنها الكثيرون ، تظل جنسا أدبيا ينال الإعجاب أحيانا ، وينتقص منه أحيانا أخرى ، لان بعض الكتاب ،يحيل إليهم ان الخاطرة تشبهه ، وان كل من توهم انه وقع في الحب يوما ، يتراءى له انه يستطيع، ان يدبج قصصا قصيرة تستهوي القلوب ، وتعجب بها الأفئدة ، فما الحكم في أن هذه الكتابة ، تتصف باحترام المواصفات الفنية ، التي يتطلبها الجنس الأدبي المعين ، أو لا تحترم ؟ ما دام كل من يمسك القلم ، يظن انه قصصي بارع ، ينافس أعظم كتاب القصة القصيرة.
ولماذا يطرح الكثيرون هذا السؤال، الذي يبدو بسيطا ، لكن الغرض منه غير واضح أبدا ، فليس مفهوما أبدا ان يدعي البعض ، ان القصة القصيرة لا مستقبل لها ، وان المستقبل سيظل مع الشعر ملك الإبداع المتوج ، وان الرواية سوف تأخذ بنصيبها من إعجاب القارئ ، وان القصة القصيرة جدا، قد استطاعت ان تسحب البساط الذي لم يفرش أبدا ، من تحت أقدام القصة القصيرة ، هل ان السبب استسهال كتابتها من قبل أكثرية الكتاب ، وإن بعضهم يخلطون بينها ، وبين الحكاية القديمة ، التي كنا نسمعها من جداتنا ، أثناء الطفولة ، فالقصة المكثفة تجد الكثير ، من يدعي إنها ليست مفهومة ، وقد تفسر وتحلل بطريقة خاطئة ، وكأن درجة فهم المقروء يتساوى فيها الناس جميعا ـ الأدباء المجيدون ، والراغبون بالقراءة لقتل الوقت ، وليس حبا بالمقروء ، ومن ما زال يحبو في عالم القراءة الواعية ، ولماذا يفقد النقاد الكبار ، الاهتمام بالقصص القصيرة ؟، ويأتي نقدهم مقصورا على الشعر والرواية ، عدد كبير من المجموعات القصصية ، تصدر في الأقطار العربية ، دون ان تحظى بناقد مجيد ، عرف عنه إتقان النقد ، والتجربة فيه ، والإنصاف ، نعم الإنصاف ، الذي يحتاجه الكتاب والنقاد جميعا ، والذي نجد ان حياتنا قد خلت منه في كل الميادين ، وليس في دنيا الأدب فقط ، فوجد الكتاب وحدهم ، يجابهون كثيرا ، بدعوى إنهم يقولون ما لا يفهم
ولا يقتصر التجاهل لأهمية القصة القصيرة ، على القراء والنقاد فحسب ، إنما دور الطباعة والنشر ، لها تجاهلها أيضا للقصص القصيرة ، وللكتاب القاصين
وحتى المهرجانات التي تقام في هذه الدولة او تلك ، فانها تستثني كتاب القصة القصيرة من دعواتها ، التي كثيرا ما تكون وفق سياسة الصداقات، والمصالح المتبادلة
صبيحة شبر
14 – 9 -2008
الأحد، 14 سبتمبر 2008
الفقدان
الفقدان
اشعر بالعجز ، تناقشني فيما أنا به ، تجعلني أرى الأسباب ، والمس النتائج ، مقتنعة تمام الاقتناع أنني توصلت لوحدي الى النتيجة التي أجدها ساطعة أمام عيني ، تدلهم الخطوب ، واعجز عن رؤية الطريق الصائب الصحيح ، تأتي أنت بابتسامتك الواثقة ، لتزيل ما اعترى ذهني من التباس ، تبدد معالم الشك والارتياب بقدرتي على اجتياز السبيل ، تقنعني بطريقتك الحبيبة في الإقناع أنني يجب ان أؤمن بنفسي بعد إيماني بالله وان اعتمد على ذاتي في تذليل الصعاب التي أجدها أشواكا تعرقل الاستمتاع بما احصل عليه من ورود عابقة بالأريج ، جياشة بالعطر الجميل ،
- لا تخافي ،
لم تفرق بالمعاملة بيننا نحن الأشقاء ، تحبنا جميعا بنفس الدرجة العالية ، تمنحنا الدفء نفسه والحنان عينه ، تعلمنا ان الأب معاملة حانية ،، وحازمة، حنان متدفق ، دفء متواصل ، تعليم مستمر ، تبيان الخطأ والإرشاد الى الصواب ،، ان الحياة جميلة وإننا يجب ان نتعلم العطاء مثلما تعلمنا الأخذ
- احبي الناس ،هم طيبون
، اختلف معك أحيانا بسبب انني لا أرى مثل الذي تراه لآني لم أجرب الحياة مثلك وما زالت نظرتي قاصرة عن الإلمام بنظرتك للأمور ، وأحيانا لان عمري الصغير آنذاك صور لي ان الاختلاف لمجرد الاختلاف قد يكسب المرء غنى ليس بطاقته ان يكسبه ، تسمعني بتلك القدرة على الفهم ، ابدي وجهات نظري ، وأنت صامت ، تناقشني فيما اختلفنا به دون ان يرتفع لك صوت ، ولم أرك تغضب او تفند آرائي التي أراها الآن خاطئة ولم أكن أقوى على مصارحتك انها خاطئة
- أخائف انت ام جبان ؟؟
، حسدني الجميع عليك ، لم تستعمل العنف في تقويمي وكثيرا ما يخطيء الإنسان ، ولم اسمع منك كلمة خشنة ، آباء صديقاتي كانوا يضربون بناتهم بالحزام دون ان يبالوا انهن فتيات وحرام ان يضربن بباقات الورود ، الم يقل الرسول الكريم رفقا بالقوارير ، تخرج معي ونذهب الى دور الكتب نشتري كتابا معينا او للسوق فتختار لي ما أريد بذوقك الذي حسدني عليه الجميع ، ما ان تنتقي لي شيئا حتى تسارع صديقاتي الى امتداحه بسبب الجمال والروعة المتصف بها ، ولم تكن تلك الصديقات ينتبهن لما كنت اختاره انا ، تراني إحداهن وآنت تسير بجانبي ، وتسألني في اليوم التالي
- من اين لك هذا الشاب الوسيم ؟؟
، تضيق بي الحياة ، وتندلع أمامي نيرانها ، فلا اجد من يستطيع ان يطفيء حرائقي المندلعة الا أنت ، اهرع إليك أحدثك بمتاعبي ، ويأتيني صوتك الواثق الهاديء ليطمئنني ان الدنيا ما زالت بخير ، وان مصائبي ليست مصائب بالحقيقة وإنما هي كالملح والفلفل الذي نجعل الطعام به لذيذا يقبل الناس على تناوله باشتياق ، أقنعتني ايها العزيز ان مشاكلي ليست بشيء اذا ما قورنت بمشاكل الناس الآخرين ، وفرت لي كل شيء ، كلنا أحببناك بقوة ، ما ان نحتاجك حتى تترك كل شيء لتسارع الى نجدتنا ، اشتاق الى رؤيتك ، سنين طويلة مرت ولم أكحل العين ، برؤيتك البهيجة ، يرعبني ما حل بك وكأن عقودا فصلت بيننا ،
- قد انهكوك ايها العزيز
، اغتالوا فرحتك بتآزر أسرتك وتلاحمها ، قضوا على حياة والدك ، و أجبروك الا تخبر أحدا بالنبأ والا تقيم مجالس العزاء ،، والا أبادوا جميع أفراد أسرتك المتواجدين بينهم ، أحاط بك الحزن من كل جانب ،،، ولم تعرف ما ذا تفعل والأسرة المتعاونة المتآلفة ،،يغتال أفرادها الواحد تلو الآخر ، تمني النفس ان احد أولادك الموقوفين ما زال حيا ، وانه سيخرج وتتمكن من رؤيته ، ولكن أحلامك وتمنياتنا أيها العزيز قد تحولت سرابا حين علمنا ان جميع الموقوفين قد أبيدوا ، حكم عليهم بالموت ونفذ الحكم دون ان نعلم بالآمر ، لم يكلفوا أنفسهم ان يخبرونا ، ولماذا ينبئونا ونحن مجرد أرقام ايها العزيز ، تغيرت كثيرا ، هالني ما وجدته من تراجع في صحتك وأنت الممتليء بالشباب ، تستقبل يومك بابتسامة واثقة كانوا يقولون لي
- انت تشبهينه
، ولكن بون شاسع بينك وبيني ، فأين الشمعة من الشمس الساطعة ؟ واليوم تغادر دون وداع ، اسمع بالخبر ، فأقف ملتاعة ، من يقف بجانبي في هذا الخضم الهائل ، من يريني بثقته معالم الطريق التي أكون عاجزة عن رؤيتها لوحدي ، لا اصدق انك رحلت ، وأنني لااراك بعد الان ، وأنني من العجز بحيث لا أستطيع الرؤية يدونك يا اعز الناس ، وأكثرهم شجاعة ونبلا ونصاعة ، لقد تركتني ورحلت وبقيت وحيدة رغم ان الكثير يحيطون بي ، ولكن شتان بينك وبينهم ايها العزيز ، اللهم ارحم حالي وارأف بي واعني على استرجاع قوتي التي سلبها مني الفقدان
صبيحة شبر
اشعر بالعجز ، تناقشني فيما أنا به ، تجعلني أرى الأسباب ، والمس النتائج ، مقتنعة تمام الاقتناع أنني توصلت لوحدي الى النتيجة التي أجدها ساطعة أمام عيني ، تدلهم الخطوب ، واعجز عن رؤية الطريق الصائب الصحيح ، تأتي أنت بابتسامتك الواثقة ، لتزيل ما اعترى ذهني من التباس ، تبدد معالم الشك والارتياب بقدرتي على اجتياز السبيل ، تقنعني بطريقتك الحبيبة في الإقناع أنني يجب ان أؤمن بنفسي بعد إيماني بالله وان اعتمد على ذاتي في تذليل الصعاب التي أجدها أشواكا تعرقل الاستمتاع بما احصل عليه من ورود عابقة بالأريج ، جياشة بالعطر الجميل ،
- لا تخافي ،
لم تفرق بالمعاملة بيننا نحن الأشقاء ، تحبنا جميعا بنفس الدرجة العالية ، تمنحنا الدفء نفسه والحنان عينه ، تعلمنا ان الأب معاملة حانية ،، وحازمة، حنان متدفق ، دفء متواصل ، تعليم مستمر ، تبيان الخطأ والإرشاد الى الصواب ،، ان الحياة جميلة وإننا يجب ان نتعلم العطاء مثلما تعلمنا الأخذ
- احبي الناس ،هم طيبون
، اختلف معك أحيانا بسبب انني لا أرى مثل الذي تراه لآني لم أجرب الحياة مثلك وما زالت نظرتي قاصرة عن الإلمام بنظرتك للأمور ، وأحيانا لان عمري الصغير آنذاك صور لي ان الاختلاف لمجرد الاختلاف قد يكسب المرء غنى ليس بطاقته ان يكسبه ، تسمعني بتلك القدرة على الفهم ، ابدي وجهات نظري ، وأنت صامت ، تناقشني فيما اختلفنا به دون ان يرتفع لك صوت ، ولم أرك تغضب او تفند آرائي التي أراها الآن خاطئة ولم أكن أقوى على مصارحتك انها خاطئة
- أخائف انت ام جبان ؟؟
، حسدني الجميع عليك ، لم تستعمل العنف في تقويمي وكثيرا ما يخطيء الإنسان ، ولم اسمع منك كلمة خشنة ، آباء صديقاتي كانوا يضربون بناتهم بالحزام دون ان يبالوا انهن فتيات وحرام ان يضربن بباقات الورود ، الم يقل الرسول الكريم رفقا بالقوارير ، تخرج معي ونذهب الى دور الكتب نشتري كتابا معينا او للسوق فتختار لي ما أريد بذوقك الذي حسدني عليه الجميع ، ما ان تنتقي لي شيئا حتى تسارع صديقاتي الى امتداحه بسبب الجمال والروعة المتصف بها ، ولم تكن تلك الصديقات ينتبهن لما كنت اختاره انا ، تراني إحداهن وآنت تسير بجانبي ، وتسألني في اليوم التالي
- من اين لك هذا الشاب الوسيم ؟؟
، تضيق بي الحياة ، وتندلع أمامي نيرانها ، فلا اجد من يستطيع ان يطفيء حرائقي المندلعة الا أنت ، اهرع إليك أحدثك بمتاعبي ، ويأتيني صوتك الواثق الهاديء ليطمئنني ان الدنيا ما زالت بخير ، وان مصائبي ليست مصائب بالحقيقة وإنما هي كالملح والفلفل الذي نجعل الطعام به لذيذا يقبل الناس على تناوله باشتياق ، أقنعتني ايها العزيز ان مشاكلي ليست بشيء اذا ما قورنت بمشاكل الناس الآخرين ، وفرت لي كل شيء ، كلنا أحببناك بقوة ، ما ان نحتاجك حتى تترك كل شيء لتسارع الى نجدتنا ، اشتاق الى رؤيتك ، سنين طويلة مرت ولم أكحل العين ، برؤيتك البهيجة ، يرعبني ما حل بك وكأن عقودا فصلت بيننا ،
- قد انهكوك ايها العزيز
، اغتالوا فرحتك بتآزر أسرتك وتلاحمها ، قضوا على حياة والدك ، و أجبروك الا تخبر أحدا بالنبأ والا تقيم مجالس العزاء ،، والا أبادوا جميع أفراد أسرتك المتواجدين بينهم ، أحاط بك الحزن من كل جانب ،،، ولم تعرف ما ذا تفعل والأسرة المتعاونة المتآلفة ،،يغتال أفرادها الواحد تلو الآخر ، تمني النفس ان احد أولادك الموقوفين ما زال حيا ، وانه سيخرج وتتمكن من رؤيته ، ولكن أحلامك وتمنياتنا أيها العزيز قد تحولت سرابا حين علمنا ان جميع الموقوفين قد أبيدوا ، حكم عليهم بالموت ونفذ الحكم دون ان نعلم بالآمر ، لم يكلفوا أنفسهم ان يخبرونا ، ولماذا ينبئونا ونحن مجرد أرقام ايها العزيز ، تغيرت كثيرا ، هالني ما وجدته من تراجع في صحتك وأنت الممتليء بالشباب ، تستقبل يومك بابتسامة واثقة كانوا يقولون لي
- انت تشبهينه
، ولكن بون شاسع بينك وبيني ، فأين الشمعة من الشمس الساطعة ؟ واليوم تغادر دون وداع ، اسمع بالخبر ، فأقف ملتاعة ، من يقف بجانبي في هذا الخضم الهائل ، من يريني بثقته معالم الطريق التي أكون عاجزة عن رؤيتها لوحدي ، لا اصدق انك رحلت ، وأنني لااراك بعد الان ، وأنني من العجز بحيث لا أستطيع الرؤية يدونك يا اعز الناس ، وأكثرهم شجاعة ونبلا ونصاعة ، لقد تركتني ورحلت وبقيت وحيدة رغم ان الكثير يحيطون بي ، ولكن شتان بينك وبينهم ايها العزيز ، اللهم ارحم حالي وارأف بي واعني على استرجاع قوتي التي سلبها مني الفقدان
صبيحة شبر
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)


