قراءة في كتاب :
القصة القصيرة جدا بالمغرب
تزايد الاهتمام بهذا اللون من القص في الآونة الأخيرة كثيرا ، وأصبحت تخصص له الدراسات الطويلة ، في الصحافة الورقية ، وتصدر عن أهمية هذا الجنس ، المطبوعات الالكترونية ، كما حدث في واتا وفي رابطة انانا ، وتعد له المدارس المختلفة ، لتبيان طرق كتابته ، يستفيد منها الكتاب الشباب ، حيث تنشر القصص القصيرة جدا ، والتي قام بكتابتها قصصيون كبار ، كما فعلت مجلة الكاتب العراقي ا لالكترونية، وأخذ الكتاب المختلفون ، يجربون هذا الجنس الأدبي الجميل ، والذي اختلفت بشأنه الآراء ، وتباينت وجهات النظر ، من يقول انه جنس طارئ على أدبنا العربي ، لا يتضمن أي مقومات النص القصصي الناجح ، ويخلو من الحدث ومن عناصر القصص الأساسية ، وبعض الآراء ذهبت الى إن هذا اللون ، جنس أدبي ينبثق من القصة القصيرة ، ويتميز بمميزاتها جمبعا ، وان كان يختلف عنها ، بالقصر الشديد والكثافة العالية واللغة الشعرية.
لقد تناول هذا اللون ، من ألوان القصة القصيرة ، العديد من النقاد والباحثين ، في كل أقطار الوطن العربي ، وفي بلاد المغرب منح الاهتمام الكبير ، لهذا الجنس الأدبي العصي على التحديد ، فكثرت الجمعيات والملتقيات ، التي تتولى دراسة هذا الفن ، في عدد من المدن المغربية ، كما قامت المهرجانات ، للعناية بكتاب القصة القصيرة جدا ، وعمل الدراسات لكتبهم ومجموعاتهم ، كما حصل مدينة (أصيلة) إلى (مشرع بلقصيري) إلى (الفقيه بن صالح )وعدة مهرجانات أخرى ، كما صدرت عدة كتب نقدية ، تتناول القصة القصيرة جدا في المغرب ، منذ بداية ظهورها في البلد الى أيامنا هذه.
ومن أهم الدراسات ، عن القصة القصيرة جدا في المغرب : المسار والتطور ،ما قام بكتابته الدكتور جميل حمداوي ،في كتاب متوسط الحجم ،بستين صفحة عن مؤسسة التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع ، صدر في عامنا هذا ( 2008)
يقسم الكاتب مراحل القصة القصيرة جدا ،في المغرب ،إلى أربع هي :
1- مرحلة التأسيس والترهيص
وتعود بدايتها إلى العام 1983 ومن أهم روادها محمد إبراهيم بوعلو ، محمد زفزاف ،أحمد زيادي ، زهرة زيراوي ، واحمد بزفور ، وكانت تلك التجارب ،تتخذ أبعادا سياسية واجتماعية وواقعية ، والتطلع الى مجتمع آخر ،ذي قيم جديدة نبيلة ،
أورد الكاتب د. جميل حمداوي ،أمثلة قصصية قصيرة جدا لهذه المرحلة ـ لكل روادها المذكورين ، ففي قصة احمد الزيادي ( أحلام العصافير) التي يعتبرها الكاتب المؤلف ،من أحسن ما يمثل قصص هذه المرحلة ،تمكينا وتثبيتا وترهيصا :
(كنت عصفورا بكل ما يتطلبه العصفور من مقومات الطيران والشدو والحب
طرت بعيدا في سماء خضراء ووردية ، واجتزت غابات بألوان الفصول ، واتخذت شرائط ألوان الطيف أوسمة ، وحلقت عاليا فوق الربى والجبال ... والبحيرات والبحار .... وأحببت... أجل أحببت، وبنينا عشنا الوثير قشة قشة ، وأثثناه بيضا بهيا ، وتعهدنا الفراخ حتى درجت ، وشدت ، وطارت وأحبت ....
بيد إني في غمرة انتشائي تفقدت ريشي.... لم تبق منه ريشة واحدة تسعف ذاكرتي المثقلة بأحلام العصافير)
2- مرحلة التجنيس الفني
بدأت هذه المرحلة في العام2001 ، مع المبدع المتميز جمال بو طيب ، وقد ظهرت فيها عدة أسماء لامعة ، ساهمت في تطوير القصة القصيرة جدا في المغرب ، لها مجموعات قصصية مشهورة ،فالمبدع الذي يجمع بين عدة فنون جمال بوطيب في مجموعته ( زخة... ويبتدئ الشتاء) وجماعة الدار البيضاء كحسن برطال في مجموعته ( أبراج) ومصطفى لغتيري في مجموعته القصصية ( مظلة في قبر) وسعيد بو كرامي في مجموعته( الهنيئة الفقيرة) وسعيد منتسب في مجموعته( جزيرة زرقاء) وعبد الله متقي في مجموعته ( الكرسي الأزرق) ورشيد البوشاري في مجموعته( أجساد ... وقبرة) وهشام الشاوي في مجموعته ( بيت لا تفتح نوافذه) ومصطفى جباري في مجموعته ( زرقاء النهار) ومحمد العتريس في مجموعته ( عناقيد الحزن) وعز الدين الماعزي في مجموعته ( حب على طريقة الكبار ) وهناك أسماء مبدعة أخرى ،برزت في هذا الفن الجميل ، ذكر منها الكاتب أسماءها ،دون أن يذكر أعمالها ، أمثال عبد العالي بركات ، سعيد الفاضلي ، المهدي الودغيري، توفيق مصباح ، عبد المجيد الهواس ، محمد تنفو ، عائشة موقيظ ، وفاطمة بوزيان ..... والملاحظ في هذه المرحلة ، ان بعض كتابها تخصصوا ، في هذا الجنس الأدبي ، بينما نجد آخرين كتبوا القصة القصيرة جدا ،بالإضافة الى أعمالهم القصصية الأخرى ، وتتميز قصص هذه المرحلة ، باستعمال نقاط الحذف ،والتنويع في علامات الترقيم ، وتشغيل خطاب الإضمار ، والإيجاز والتلغيز ، من اجل تشويق القاريء ، وينبني فن القصة ،على شعرية الصورة البلاغية ،والتركيب الشاعري والدرامي والسردي واستغلال بلاغة الانزياح ، كما تمتاز القصة في هذه المرحلة (بتشغيل التناص واستخدام الذاكرة ، ومخاطبة الذهن ، مع دغدغة العاطفة والوجدان ، كما يتضمن الخطاب السردي ، من أحداث وشخوص ووصف ورؤية سردية ،وتنويع الأزمنة والصياغات الأسلوبية)
يورد الكاتب مثالين على قصص هذه المرحلة ، الاول ل( توفيق مصباح) والثاني ل ( محمد العتروس) أختار منها موضوع ( الاغتصاب) الذي ورد في قصة ( القاتل) للقاص ( توفيق مصباح):
(حدث كل شيء في رمشة العين.
انتظرها عند ممر ضيق تعودت أن تسلكه كل ظهيرة أثناء انصرافها من الإعدادية.
لمحته بطرف عين متربصا خلف سور احد المنازل المتهدمة...
تجاهلته... خطت سريعا كنعامة... تعرف ان المكان مقفر.
ناداها... الشرر يتطاير من عينيه بركانا.
قررت ألا تلتفت خلفها.... وجهها خائف، قررت أن تص
صرخت....
أمسكها من شعرها ولوى عنقها.
برهة ، حشرجت مثل ديك مذبوح.
عيناها جاحظتان
شعرها منفوش.
جسدها بارد.... بارد جدا كقطعة ثلج)
3- مرحلة التجريب:
التجأ بعض كتاب القصة القصيرة جدا ،الى التجريب ،واستعملوا التقنيات الجمالية ، والفنية التي استعملت في القصة القصيرة ، والرواية مثل تيار الوعي واستفادوا من الطرق الحداثية الجديدة ، في كتابة القصة نحو الاتجاه الى التخطيب والتحبيك وتشغيل ( الكادر السينمائي) والانفتاح على الأجناس الأدبية الأخرى ،والاستفادة من التقنيات الصحفية واللغة الشاعرية ، حيث تفتقد السردية المعهودة في القصص الكلاسيكية ، ولعل القاص ( سعيد بو كرامي) من أهم من يمثل كتاب ، هذه المرحلة الذين كتبوا ، قصصهم القصيرة جدا وفق هذه المميزات ، فنجد الغموض واضحا ، والتباس صفات السرد ، والتعمق في التجريد ، فتصبح نصوصه مغالية في الغموض ، لا يمكن الإحاطة بها دلالة او معنى ، لنطلع على نص ( النحل) :
( كانوا ثلاثة ورابعهم النحل
تحدثوا عن البحر عن الهجرة وعن الصمت
قطرات صغيرة تلتقي في الليل
لان الربيع مات ولان الأزهار ماتت
جاء النحل الى دخان المقاهي الى طاولات الموت
يحدق فيها بيأس ، يختار عنق الزجاجة وينتحر)
4- مرحلة التأصيل
حاول كتاب القصة القصيرة جدا ،في هذه المرحلة توظيف التراث ، والاستفادة من الذاكرة السردية الموروثة ، فجمعوا بين الأصالة والمعاصرة ، وبين الماضي والحاضر ، وبين مميزات الكتابة القديمة وخصائص الكتابة الحديثة ،من حيث الصياغة الفنية،
وأبرز كتاب هذه المرحلة : جمال بوطيب ، مصطفى لغتيري ، يستلهم المبدع جمال بوطيب في مجموعته القصصية ( زخة ... ويبتدئ الشتاء) تجربة الشاعر الجاهلي المعروف ( طرفة بن العبد) في قصته الرائعة هذه "
( غضب - طرفة- لما قدمته منشطة البرنامج التلفزيوني مبتسمة بلقب – الشاعر الشاب- ندم كثيرا على قبوله دعوتها ، كتم سخطه ، واحترس من سورة غضبه ،جهد نفسه ليجيب عن أسئلتها بما يكفي من الحلم ، واعتبر مستجوبته ( جليس سوء) ينبغي ان يصبر عليها وان يحتمل جهلها ، ولم يسامح نفسه على ذنب حضوره الذي لا يقوى على اصلاحه . مسح العرق المتصبب من جبهته بفعل تلك الشمس التي لم يرها قريبة مثل اليوم.
تذكر تلك القاعة المليئة بالغواني اللائي أحطن به ضاحكات ومرددات كلاما بذيئا ، بل ان إحداهن مسدت جبهته بطلاء غير سحنته ، وكاد مقصها يلهو بلحيته لولا انه حدق فيها بحنق فهمت مغزاه ، كانت المستجوبة تسأله وهو يجيب معتبرا قوله( إذا القوم قالوا من فتى ؟ هو السبب في هاته الوقاحة التي قدمته بها.
صدمت المستجوبة سمعه حين أخبرته بأنه سيموت في الخامسة والعشرين من عمره بمتفجر ، يوضع له في جرابه ، أكد لها شجاعته وقلبه واجل:
- أنا لا أحفل متى قام عودي
- ولما قالت له : تمن علينا قبل ان تموت
قال : أتمنى ان أموت طفلا ، فوحدهم الأطفال شعراء حقيقيون)
كتاب قيم جدا ، يعتبر إضافة قيمة لما قام به النقاد والباحثون في موضوع ( القصة القصيرة جدا) في المغرب ، وأصولها ومراحل تطورها ، والكاتب الدكتور ( جميل حمداوي) احد الوجوه الثقافية في بلاد المغرب الجميلة قام بعدة مؤلفات مهمة تعتبر من المراجع المغنية للباحثين وطلاب العلم والمعرفة.
قراءة : صبيحة شبر
الجمعة، 10 أكتوبر 2008
الخميس، 9 أكتوبر 2008
من دون احتراس
( من دون احتراس) قصائد تنطلق من خضم المعاناة ، لتؤسس ملاذا
قراءة : صبيحة شبر
صدرت عام 2005 المجموعة الشعرية الثالثة ، لشاعر عراقي مميز ، عرف بالجملة المكثفة ، والمعاني المنطلقة من شدة المعاناة ،من جحيم مستعر ، أريد له أن يشعل العراقيين جميعا ، في أتون حروب هوجاء ، وسياسات تنكيلية مستمرة ، تبحث عن الوقود للتسبيح بالحمد والثناء ، ولكن هل يستطيع المبدع بقدرته على الإتيان بالكلمة الموحية ، أن يحدّ من ذلك الطغيان المتنامي للخراب ، وان يجد لنفسه جزيرة حافلة بالخضرة ، في ظل انهيار الأشجار السامقة ، وتساقط ما ابتدعه الإنسان على مر السنين ، من رغبة في إيجاد بعض الظلال ؟ والاحتفاظ بزهور قادرة ،على خلق الفرحة ، في عالم يزخر باغتيال كل شيء جميل ، ووأد الأحلام النابعة رغم ما يراد بها من نفي وتقتيل ؟
في مجموعة شعرية جميلة ، تتضمن إحدى وثلاثين قصيدة ، نجد إصرار الإنسان على أن يخلق حياة بديلة ، عن الموت المحدق ، الذي يفتح فاه ساخرا ، من العجز الذي يهيمن أحيانا على النفس ، مجبرا إياها على التخلي ،عما تريد من أمل بسيط ، يداعب القلب ، ويدفعه الى مواصلة النضال لتحقيق المراد ؟ ولكن أي نضال يشفع للأيدي المغلولة ، والعمل المناوئ لها ، والطامح الى تكبيلها بقيود كثيرة.
ففي القصيدة الأولى من الديوان ( سجادتي شفق .. والمسبحة عكاز) يتضح ضعف الإنسان ، رغم محاولاته الكثيرة لإيجاد بدائل للحياة ، يسعى إلى صنع مجداف ، يعينه الى تسيير عمره ( الضائع) رغم ما بذله من جهود أضنته بصعوبتها ، والغيب ما يزال ضنينا ، فكلمات الإنسان رغم فصاحتها ، لاتستطيع إدراكها المدن المسورة ، فيحاول المرء صنع شراع ، عله ينقله الى خارج حدود الثرثرة ، وهل يمكن للإنسان مهما كانت قدرته ، او جمال أحلامه ، أن يجد الخلاص ، ولو حلما يختبيء ، في الثنايا ، من جحيم الحروب التي لا تبصر دائما ، ولا تفرق بين ضحاياها ، المتحولين إلى مزق متناثرة ، وعظام مكسورة:
هناك ..
حيث يستيقظ ملوك البحر
وتغادر أنفاسهم
تنور الحروب
أعدّ للنهر آذانا
أترقب من تلويحة الغيب
قصباً
كي أجدف به عمري
أو أختفي في صلاة
لضفّةٍ من حليب
أو صرخةٍ
أدعو فيها ضمادَ الشفق ..
هناك
حيث لا تفقهني المدنُ
أدرأ بالعكّاز ضبابَ حجيجِها
وأصوغ من أسمالٍ للضحى
شراعاً
لتماثيلَ المقاهي ..
هناك .. لا وقت للبقاء
حيث ملوكُ البحر لم يفقهوا :
أن المدن
ثرثرةٌ زائدة
عن بلاغةِ الأفق)
لماذا أطلق الشاعر ( حسين الهاشمي) على مجموعته الثالثة عنوانها ( من دون احتراس)، فما هو المقصود من هذه اللفظة؟ ، ومم نحترس ؟ وكيف يمكن للمرء أن يحترس ؟ في هذا الجو الموبوء بمثل هذه الآفات ، المتكالبة حوله ، فلا يجد في نفسه ، القدرة على مواجهتها ، الجميع مدانون ، فهل تملك النفس الشاعرة سبل خلاصها ؟ أمام هذا الضياع المهيمن ؟ وهل يستطيع الحلم أن ينأى ، عن السهام القاتلة ؟ وأي قدرة يملكها المبدع ،حيال تلك الرغبة الكبيرة ، في سلبه سطوع الأمل على الإنقاذ؟ ، وهل يمكن للحلم المستوطن النفس ، ان يمنح الرغبة في الخلاص ، في واقع ملغوم حتى النخاع بقوى لا قدرة على الذات المبدعة ،على إحاطتها ، ، هل يمكن للغة ان تدرأ بجمال كلماتها الأوجاع؟ ، وان ينقذ رصيدها تلك القيود الجهنمية، التي تحيط بالنفس والروح ؟، وتغتال حتى الأحلام ، وتقتل الرؤى في داخل نفسك ، تحاول ان تجد لها أمانا في ظل هذا الضياع ، فتظل نفسك قلقة حائرة ، أية قوة تملكها لغة الإبداع ، و الألفاظ المنتقاة ، والنفس الشاعرة أمام ذلك الطوفان المنفلت ، حين يركض الإنسان في صحارى الحرمان ، فلا يجد سوى الرعب القاتل ، فلا يمكن للغة ، حينئذاك ، ان تعبر عن ذلك النهر المتدفق ، في النفس الشاعرة عن هموم مركبة ، ضياع آمال وفقدان أحلام ، وعجز كبير ، وغربة لاسعة ، تحيطك ، تلتف بخيوطها حول رقبتك مطيلة الضغط على أنفاسك، كي تولي هاربة ، وجراح فاغرة أفواهها تصرخ بصمت ، وتفقد الأشياء معانيها التي عرفناها ، ويصبح القمر الفضي الجميل ، نحاسيا ، وحتى البلدان ، تضيع منها سقوف الطمأنينة والأمان ، فماذا يتبقى للغة أن تفعل وسط هذا الخراب ؟ في قصيدة ( أتدفأ .. كسيد من دون احتراس) ينطلق صوت الشاعر قويا ،رغم كل الإخفاقات ، التي تنذره بالتوقف عن المحاولة لانطلاق صوته الخاص ، في جو يكثر فيه المقلدون :
يجب
أن أغفرَ للمعاطف
تلك التي
لا تبوحُ بغربتها ..
للأذرعِ بلا فرشاة
ولا تلوّح للجرح ..
يجب أن أغفرَ للنجوم
للقمر النحاسيّ
وبقيةِ الغرائب .. حين أركض للسماء
حين لا أجد سوى رعبي
نقاوتي المبقّعةِ بالشحوب ..
حين لا أجد
سوى قوسِ المكان
يرقبُ وتراً لعكّاز ..
حين لا أجدُ
لا أجدُ في هذه الحجرة
التي
اسمها اللغةُ
سوى تماثيلَ تسوّر عشبَها ...
يجب أن أغفرَ لبلدانٍ
لا تعرف السقوفَ ..
في مدن لا اعرف إلا الخوف ، تقتات على الضياع ، وتحفر في الأرض قبورا ،لما تحمله من كنوز ، تصر على مواصلة إخراج زهورها ، يواصل أناسها الرحيل ، باحثين في مكان ما ، يتضمن القليل من البهجة الآفلة ، والنسمات غير المسورة ، والهواء القادر على الإنعاش ، في قصيدة ( حقل) نقرأ أحداث قصة ، تحدث كثيرا ،عن رغبة في الدفء ، لا تجد لها ميلادا ، وعن رحيل واشتياق ، وعودة لا تنبئ عن تحقق المراد ، سرقت تفاصيله بمعول ، هدها ، فإلى أين يرحل ؟ والشطاّن لا ترى من هذا المكان ، هل نستعير جناح طير؟ ، ونسرع بالرحيل ، تاركين عبق المكان ،يغرد ، فاردا جناحيه ، في القلوب المترعة بالألم:
عاد ..
بتفاصيل دافئة
ارتدى سترته أمامَ النافذة
هَمَسَ في عينيها :
_ إنني راحلٌ في الغد ...
عادَ لأنه مثقلٌ بالتفاصيل
لأنه
مثقلٌ وحسب ..
_ إنني راحلٌ كعيونٍ اتسعتْ
ضاق بها
ضجيجُ الهروب
وغداً أفركُ النافذة
من ثقلِ أنفاسها .. كي أطير ..
غداً
أعودُ مثل بحّار يتيم
حفرَ كثيراً في أوراقه ,
رأى تفاصيله بقبضة معول
وقلبه
عائمٌ بين السبّابة والإبهام
_ غداً
سأكتبُ ابتسامة
هادئاً .. عالياً
على شراع ورقةٍ لطير ,
ولأنه اصطكَّ لعودته
ارتدى سترةً لطير
ولأنه مثقلٌ بموجِ أنفاسه
فتحَ النافذةَ :
هكذا يصلُ
هكذا يعومُ
هكذا يسألُ
_ أيتها القرية ... أين ؟
فعانقه
حطبٌ مهجور
في قصيدة ( مجاهيل) : تتنوع أسباب الألم ،وتتعدد ألوانه ، فلا نعد إلى السؤال
عن الأوان الذي يفجعنا بمجيئه ، مكتفين بما خفي من نتائج انبثاقه ،و يستولي علينا الدوران ، يستوطن ألمنا الكبير ، كل مكان ، يهل علينا في كؤوس شرابنا ، فنخاف من فكرة طرده ، ويفجعنا ذلك الخوف ، حين يحدق في وجوهنا ، واعدا إيانا بسياط( عقاربه) ، فيتملكنا العجز ، من اطلاق أفواهنا بالصراخ ، فيمتلئ طريقنا بمجاهيل مدعية ، وتقذفنا المدينة بشباك ، نلتقط عبرها أثار الطعنات:
أحياناً لا نسأل
عن أوانِ الألم
ونكتفي بخفايا كائناته
لا نعرف كيف ندور
بدلاً منه
لا نسألُ حين يغادرُ المنزل
وينام كأبلهٍ
فوق كراسي المقهى
لا يجرؤ أيّ منا
أن يطرده من قدحِ الشاي
أن يوقظه من خوفنا
عندها
يحدّقُ في الوجوه
ويعدّ بسياطِ عقاربه..
أحياناً
لايصدّق أيةَ طراوةٍ
في مجهوله
تشربنا جهاته
ليتركنا أقداحاً
ولا نمارس أفواهنا بالصراخ
لذلك
يصطبغُ الطريق
ما بين المنزل والمقهى
بمجاهيلَ تدّعي
أقداماً طرية
لذلك أيضا
تقذفنا المدينةُ شباكاً
كلّ صباح
نلتقط آثارها طعناتٍ
ونعود
بأبلهٍ
يدعى الألم
قصائد جميلة لشاعر مبدع ، وجدت في قراءتها ،ما كنت أرومه من بهجة
نبذة عن الشاعر
حسين الهاشمي
• ( العراق – بغداد 1961 )
• دبلوم هندسة مدنية
• عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق
• عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب
صدر له :-
1. غيمة في عكاز – شعر 2001 م بغداد/ دار الشؤون الثقافية
قراءة : صبيحة شبر
صدرت عام 2005 المجموعة الشعرية الثالثة ، لشاعر عراقي مميز ، عرف بالجملة المكثفة ، والمعاني المنطلقة من شدة المعاناة ،من جحيم مستعر ، أريد له أن يشعل العراقيين جميعا ، في أتون حروب هوجاء ، وسياسات تنكيلية مستمرة ، تبحث عن الوقود للتسبيح بالحمد والثناء ، ولكن هل يستطيع المبدع بقدرته على الإتيان بالكلمة الموحية ، أن يحدّ من ذلك الطغيان المتنامي للخراب ، وان يجد لنفسه جزيرة حافلة بالخضرة ، في ظل انهيار الأشجار السامقة ، وتساقط ما ابتدعه الإنسان على مر السنين ، من رغبة في إيجاد بعض الظلال ؟ والاحتفاظ بزهور قادرة ،على خلق الفرحة ، في عالم يزخر باغتيال كل شيء جميل ، ووأد الأحلام النابعة رغم ما يراد بها من نفي وتقتيل ؟
في مجموعة شعرية جميلة ، تتضمن إحدى وثلاثين قصيدة ، نجد إصرار الإنسان على أن يخلق حياة بديلة ، عن الموت المحدق ، الذي يفتح فاه ساخرا ، من العجز الذي يهيمن أحيانا على النفس ، مجبرا إياها على التخلي ،عما تريد من أمل بسيط ، يداعب القلب ، ويدفعه الى مواصلة النضال لتحقيق المراد ؟ ولكن أي نضال يشفع للأيدي المغلولة ، والعمل المناوئ لها ، والطامح الى تكبيلها بقيود كثيرة.
ففي القصيدة الأولى من الديوان ( سجادتي شفق .. والمسبحة عكاز) يتضح ضعف الإنسان ، رغم محاولاته الكثيرة لإيجاد بدائل للحياة ، يسعى إلى صنع مجداف ، يعينه الى تسيير عمره ( الضائع) رغم ما بذله من جهود أضنته بصعوبتها ، والغيب ما يزال ضنينا ، فكلمات الإنسان رغم فصاحتها ، لاتستطيع إدراكها المدن المسورة ، فيحاول المرء صنع شراع ، عله ينقله الى خارج حدود الثرثرة ، وهل يمكن للإنسان مهما كانت قدرته ، او جمال أحلامه ، أن يجد الخلاص ، ولو حلما يختبيء ، في الثنايا ، من جحيم الحروب التي لا تبصر دائما ، ولا تفرق بين ضحاياها ، المتحولين إلى مزق متناثرة ، وعظام مكسورة:
هناك ..
حيث يستيقظ ملوك البحر
وتغادر أنفاسهم
تنور الحروب
أعدّ للنهر آذانا
أترقب من تلويحة الغيب
قصباً
كي أجدف به عمري
أو أختفي في صلاة
لضفّةٍ من حليب
أو صرخةٍ
أدعو فيها ضمادَ الشفق ..
هناك
حيث لا تفقهني المدنُ
أدرأ بالعكّاز ضبابَ حجيجِها
وأصوغ من أسمالٍ للضحى
شراعاً
لتماثيلَ المقاهي ..
هناك .. لا وقت للبقاء
حيث ملوكُ البحر لم يفقهوا :
أن المدن
ثرثرةٌ زائدة
عن بلاغةِ الأفق)
لماذا أطلق الشاعر ( حسين الهاشمي) على مجموعته الثالثة عنوانها ( من دون احتراس)، فما هو المقصود من هذه اللفظة؟ ، ومم نحترس ؟ وكيف يمكن للمرء أن يحترس ؟ في هذا الجو الموبوء بمثل هذه الآفات ، المتكالبة حوله ، فلا يجد في نفسه ، القدرة على مواجهتها ، الجميع مدانون ، فهل تملك النفس الشاعرة سبل خلاصها ؟ أمام هذا الضياع المهيمن ؟ وهل يستطيع الحلم أن ينأى ، عن السهام القاتلة ؟ وأي قدرة يملكها المبدع ،حيال تلك الرغبة الكبيرة ، في سلبه سطوع الأمل على الإنقاذ؟ ، وهل يمكن للحلم المستوطن النفس ، ان يمنح الرغبة في الخلاص ، في واقع ملغوم حتى النخاع بقوى لا قدرة على الذات المبدعة ،على إحاطتها ، ، هل يمكن للغة ان تدرأ بجمال كلماتها الأوجاع؟ ، وان ينقذ رصيدها تلك القيود الجهنمية، التي تحيط بالنفس والروح ؟، وتغتال حتى الأحلام ، وتقتل الرؤى في داخل نفسك ، تحاول ان تجد لها أمانا في ظل هذا الضياع ، فتظل نفسك قلقة حائرة ، أية قوة تملكها لغة الإبداع ، و الألفاظ المنتقاة ، والنفس الشاعرة أمام ذلك الطوفان المنفلت ، حين يركض الإنسان في صحارى الحرمان ، فلا يجد سوى الرعب القاتل ، فلا يمكن للغة ، حينئذاك ، ان تعبر عن ذلك النهر المتدفق ، في النفس الشاعرة عن هموم مركبة ، ضياع آمال وفقدان أحلام ، وعجز كبير ، وغربة لاسعة ، تحيطك ، تلتف بخيوطها حول رقبتك مطيلة الضغط على أنفاسك، كي تولي هاربة ، وجراح فاغرة أفواهها تصرخ بصمت ، وتفقد الأشياء معانيها التي عرفناها ، ويصبح القمر الفضي الجميل ، نحاسيا ، وحتى البلدان ، تضيع منها سقوف الطمأنينة والأمان ، فماذا يتبقى للغة أن تفعل وسط هذا الخراب ؟ في قصيدة ( أتدفأ .. كسيد من دون احتراس) ينطلق صوت الشاعر قويا ،رغم كل الإخفاقات ، التي تنذره بالتوقف عن المحاولة لانطلاق صوته الخاص ، في جو يكثر فيه المقلدون :
يجب
أن أغفرَ للمعاطف
تلك التي
لا تبوحُ بغربتها ..
للأذرعِ بلا فرشاة
ولا تلوّح للجرح ..
يجب أن أغفرَ للنجوم
للقمر النحاسيّ
وبقيةِ الغرائب .. حين أركض للسماء
حين لا أجد سوى رعبي
نقاوتي المبقّعةِ بالشحوب ..
حين لا أجد
سوى قوسِ المكان
يرقبُ وتراً لعكّاز ..
حين لا أجدُ
لا أجدُ في هذه الحجرة
التي
اسمها اللغةُ
سوى تماثيلَ تسوّر عشبَها ...
يجب أن أغفرَ لبلدانٍ
لا تعرف السقوفَ ..
في مدن لا اعرف إلا الخوف ، تقتات على الضياع ، وتحفر في الأرض قبورا ،لما تحمله من كنوز ، تصر على مواصلة إخراج زهورها ، يواصل أناسها الرحيل ، باحثين في مكان ما ، يتضمن القليل من البهجة الآفلة ، والنسمات غير المسورة ، والهواء القادر على الإنعاش ، في قصيدة ( حقل) نقرأ أحداث قصة ، تحدث كثيرا ،عن رغبة في الدفء ، لا تجد لها ميلادا ، وعن رحيل واشتياق ، وعودة لا تنبئ عن تحقق المراد ، سرقت تفاصيله بمعول ، هدها ، فإلى أين يرحل ؟ والشطاّن لا ترى من هذا المكان ، هل نستعير جناح طير؟ ، ونسرع بالرحيل ، تاركين عبق المكان ،يغرد ، فاردا جناحيه ، في القلوب المترعة بالألم:
عاد ..
بتفاصيل دافئة
ارتدى سترته أمامَ النافذة
هَمَسَ في عينيها :
_ إنني راحلٌ في الغد ...
عادَ لأنه مثقلٌ بالتفاصيل
لأنه
مثقلٌ وحسب ..
_ إنني راحلٌ كعيونٍ اتسعتْ
ضاق بها
ضجيجُ الهروب
وغداً أفركُ النافذة
من ثقلِ أنفاسها .. كي أطير ..
غداً
أعودُ مثل بحّار يتيم
حفرَ كثيراً في أوراقه ,
رأى تفاصيله بقبضة معول
وقلبه
عائمٌ بين السبّابة والإبهام
_ غداً
سأكتبُ ابتسامة
هادئاً .. عالياً
على شراع ورقةٍ لطير ,
ولأنه اصطكَّ لعودته
ارتدى سترةً لطير
ولأنه مثقلٌ بموجِ أنفاسه
فتحَ النافذةَ :
هكذا يصلُ
هكذا يعومُ
هكذا يسألُ
_ أيتها القرية ... أين ؟
فعانقه
حطبٌ مهجور
في قصيدة ( مجاهيل) : تتنوع أسباب الألم ،وتتعدد ألوانه ، فلا نعد إلى السؤال
عن الأوان الذي يفجعنا بمجيئه ، مكتفين بما خفي من نتائج انبثاقه ،و يستولي علينا الدوران ، يستوطن ألمنا الكبير ، كل مكان ، يهل علينا في كؤوس شرابنا ، فنخاف من فكرة طرده ، ويفجعنا ذلك الخوف ، حين يحدق في وجوهنا ، واعدا إيانا بسياط( عقاربه) ، فيتملكنا العجز ، من اطلاق أفواهنا بالصراخ ، فيمتلئ طريقنا بمجاهيل مدعية ، وتقذفنا المدينة بشباك ، نلتقط عبرها أثار الطعنات:
أحياناً لا نسأل
عن أوانِ الألم
ونكتفي بخفايا كائناته
لا نعرف كيف ندور
بدلاً منه
لا نسألُ حين يغادرُ المنزل
وينام كأبلهٍ
فوق كراسي المقهى
لا يجرؤ أيّ منا
أن يطرده من قدحِ الشاي
أن يوقظه من خوفنا
عندها
يحدّقُ في الوجوه
ويعدّ بسياطِ عقاربه..
أحياناً
لايصدّق أيةَ طراوةٍ
في مجهوله
تشربنا جهاته
ليتركنا أقداحاً
ولا نمارس أفواهنا بالصراخ
لذلك
يصطبغُ الطريق
ما بين المنزل والمقهى
بمجاهيلَ تدّعي
أقداماً طرية
لذلك أيضا
تقذفنا المدينةُ شباكاً
كلّ صباح
نلتقط آثارها طعناتٍ
ونعود
بأبلهٍ
يدعى الألم
قصائد جميلة لشاعر مبدع ، وجدت في قراءتها ،ما كنت أرومه من بهجة
نبذة عن الشاعر
حسين الهاشمي
• ( العراق – بغداد 1961 )
• دبلوم هندسة مدنية
• عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق
• عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب
صدر له :-
1. غيمة في عكاز – شعر 2001 م بغداد/ دار الشؤون الثقافية
ضفائر الغابة : ومضات ساطعة
قراءة في مجموعة قصص قصيرة جدا
(ضفائر الغابة ) ومضات ناطقة بالتنديد
لواقع ينضح سوءا
صدر للقاص المغربي المميز( محمد فاهي) مجموعته القصصية القصيرة جدا ( ضفائر الغابة)
عن منشورات أزمنة / عمان الأردن ، تتضمن ثلاثا وستين قصة قصيرة جدا ، في سبع وسبعين صفحة ، والأخ محمد فاهي من الكتاب المغاربة المشهورين ، الذين استطاعوا ان يؤسسوا لهم بصمة قصصية ملموسة في هذا الفن الصعب جدا ، والعسير على الانقياد لإرادة المسّّير ، حيث التركيز والتكثيف والحذف والرمز ، وقول الأشياء الكثيرة في كلمات قصار ، قصصه ومضات ساحرة، تستهوي القراء، وتدفعهم إلى إمعان النظر في واقعنا المأزوم ، القدرة على انتقاء الألفاظ تتجلى واضحة ، في قصص المجموعة ، التي تجمع بين القصيدة النثرية والسرد ، بأسلوب فريد ممتع ، ، ففي قصة ( حجر على الطريق) يكثر الرمز لأطفال تعساء لا يملكون القدرة على استعمال المحفظة ، ويستعيضون بالكيس ، يملؤهم الخوف من ترقب خروج كلب ، ويمضي العمر والأطفال يتلفتون، تشدهم حبال سميكة ، لا قدرة لهم باجتيازها ، قضبان لا مرئية ، وسجون داخل نفس الإنسان وخارجها والحجر الذي وضعوه بأنفسهم في الطريق ، ينظر إليهم بشزر ، حائلا بينهم وبين ما يبتغونه من جمال ، وكأنه الشوك يعترض ورود الحياة:
في الطريق الى المدرسة كنت أضع حجرا وأقول :
عندما أعود مساء، سوف أتذكر ان طفلا مر من هنا ، يحمل كيسا عوض محفظة، يلتفت يمينا وشمالا خوفا من كلب يخرج من جهة ما ، لكنه عندما يؤوب والظلام قد أخذ يمسح معالم الجبال القريبة يقول للحجر:
آه
أيها الحجر
أنت الذي
في اليوم الأخير ، يمر على الحجر المنتصب عنوة، يتوقف عنده قليلا، يشعر كأنما ينظر إليه بشزر
فيمضي متلفتا
متلكئا كأنه مشدود بحبل
يمضي بعيدا في العمر
يضع هذه القصة ويقول.......
في قصة ( ضفائر الغابة) التي اختار القاص عنوانها للمجموعة ، تطالعنا قصة متنوعة الدلالات ، لها أكثر من تفسير ، تختلف القراءات في شأنها ، لأي شيء ترمز الطيور ؟ و دائخة أيضا ؟ ولماذا لم يربح احد الثلاثة الرهان ؟ وما نوع الطائرة التي كانت تغير على الحقول ؟ وبأمر من كانت تطير ؟ لتحاذي هامات القطن ؟
جمعنا الطيور الدائخة وقتلناها ضفائر للغابة
تراهنا على ثلاثة:
إما إنها حزينة
إما إنها في عيد
وإما إنها ستزف وهي بعد صغيرة.
البيت الصغير الذي يلوح من الغابة قصدناه ، وجدنا حلقة الأصحاب ، يتندرون.
قال ( كلاص) لصديقه :
- راسك مثل رأس حمار في حقل ، هارب من طيارة.
ضحكنا واتجهنا إلى الحقل.
كانت الطائرة تستدير بعيدا ، تنعطف فجأة ، ثم تغير على هامات الحقول وقد بدا حجمها أكبر ، وراءها خيط كبير ، عندما تحاذي هامات القطن ، تغطس أكثر وتسكت عن الهدير.
لم يربح احدنا الرهان ، لكننا ركبنا طائرات من قصب ، وصرنا نعدو وكأننا نطير
في قصة ( لا تكن نسرا) رمز من يقضي العمر كله، مناضلا يجمع الرزق ، ويبني المستقبل لبنة بعد لبنة ، يسير بتأن يثير الإعجاب ، من ثقة بالنفس متمكنة ، ومن دراية كبيرة في صنع الحياة ، فلا تكن نسرا تعتدي على الحيوات الأخرى، وتسلب منها ما بقيت تكافح من اجله، كفاح الأبطال وتستمر في نضالها الطويل ، حتى وان اعترضت طريقها الصعوبات :
انظر فقط
كيف
ت
ل
ت
ق
ط
حمامة
حبة وراء حبة وراء حبة....
ورا.....ح.........اّ...... ب
وفي قصة ( سندباد) يستخدم القاص الرمز بمهارة ، لتغير صنوف العيش ، ومواجهة الصعاب ، وتبدل الرفاق وتشتت المجتمعات ، فما الذي واجهته مجموعة الأربعة أشخاص ، هل رمز بهم للأسرة ؟ أب وأم وطفلان ؟ يواجهون مفترق الطرق ، وكل منهم يسير الى وجهة ،تختلف عن وجهة صاحبه ، وهكذا الحياة ، لا تستقيم على امر واحد ، ومن العسير جدا أن يظل المتفقون على اتفاقهم ، والقصة تتضمن الكثير من الدلالات
ماذا حدث
أيها السندباد
في مفترق
الطرق
حيث كنتم أربعة
طفل
طفلة
امرأة
وأنت ؟
في قصة ( احمر واسود): تتجلى رغبة الإنسان ان يكون حرا مستقلا ، غير خاضع لأحد ، يمثل نفسه ، لا يسعى الى الهيمنة على أشخاص معينين ، وسلبهم حرياتهم ، كما انه لايود ان يكون تابعا للآخرين ، متحدثا باسمهم ، والرغبة ان تكون حرا وتحترم حرية الآخرين أيضا، وان بدت أمر يسيرا، إلا انه صعب التحقق كثيرا، في مجتمعاتنا التي اعتادت، على نوعين من الناس، إما خاضعا للأخر وناطقا عنه ، او مسيطرا على الآخرين سالبا منهم إرادتهم ، وهؤلاء الأحرار المنادون بالحرية، لهم ولغيرهم كثيرا ما تعرضوا للاضطهاد ،لأنهم يبدون غامضين ، في أغلب الأوقات ، شجعانا يدافعون عن وجهات نظرهم بالعيش المستقل:
مرة أخرى
أشاطرك الهجوم علي.
برمح السياسة من قبل.
وبسم اللسان من بعد.
ولا ذنب لي.
سوى إنني لم أكن عبدك.
ولن أصبح سيدك.
أما دمي.
فسألعقه بلساني
كي لا يقطر قلمي
بالحبر الأسود وحده
فانظر أين أنت
بعد أن ينجلي الغبار
في قصة ( مقايضة) تتضح بصورة جلية، رغبة الإنسان ان يكون نفسه ، وليس شخصا آخر ، فهو مستعد أن يدفع كل شيء، من اجل ان يحافظ على استقلاليته ورغبته ان يكون وحيدا، في الوقت الذي يريد ، في عالم يعيش فيه الكثيرون ، فاقدين لشروط العيش الكريم والاستقلال بالرأي وقول ما نعتقد، انه الحق دون ان تعترض طريقنا الصعوبات ، او يضع احدهم الأحجار ، المادية والمعنوية ، للحيلولة دون تحقيق ذواتنا وتمثيل أنفسنا ، رغم أن محاولاتنا الكثيرة تقابل أحيانا، بعواء الذئاب حين يجدون أنفسهم عاجزين عن إخضاعنا لسلطاتهم مهما فعلوا:
بعد صبر طويل، وقف عليه وقال :
كم تريد
كي لا تنبح
على وحدتي.......
فترديني غريبا
يا شبيه
كلب الخيمة ؟
أجابه بضحكة ساخرة
مثل عواء ذئب
في قصة ( وحدة) تبدو الرغبة واضحة في ان يكون الإنسان نفسه ، فهو مستعد أن يموت ،على ان يعيش بين ذئاب لا يحترمون آدميته ، ويتوقع منهم أن ينهشوا لحمه ، ويقضوا على وحدته ، ورغبته ان يكون إنسانا يعيش وحيدا، على ان يكون مجرد ذئب فاقد الهوية والمضمون
والقصة تمثل مطاردة بين إنسان، يحرص كل الحرص على الحفاظ على إنسانيته ، وبين مجموعة من المخلوقات، تأبى ان يظل احدها مختلفا عنهم،
تجري وراءه محاولة النيل من إصراره ، ولكن محاولاتها تذهب عبثا، أمام إرادته القوية ، فهو يصرخ والإعياء مسيطر عليه، ان الأفضل له ان يموت غريبا ، على أن يهرس بأنيابهم المفترسة:
كان هاربا ، وهم وراءه
صاح من أعلى التل ، وهو يكاد يسقط من الإعياء :
أموت
وليس بينكم
تنهشون
وحدتي
....... بأنيا
......... بكم
في قصة ( غابة أحلام) تستحيل الأحلام العريضة، الى حيوانات ذات قرون تنخس الناس جهة الكلية ، وتتضح لنا الحياة رهيبة ، تحكم على أناسها بموت الأحلام، واستحالة ان يكون الواقع، اقل سوءا مما نعيشه ، حتى ان أخذنا ممحاة، ومسحنا مالا نريده ، راسمين ما نحب من الأشياء الوردية الجميلة:
أخذ ممحاة كبيرة
محا السيارة وراكبها
عوض السيارة رسم غابة ، وعوض الراكب رسم حيونا
حدق طويلا
حيوان يتقدم الى غابة أحلامه ، أحس بقرنه ينخسه جهة الكلية.....
أفاق.....
كانت مرآة السيارة تدفعه في بطنه.
المهاجر سمع كل السباب ونعوت الحيوانات، رغم الأغنية الصاخبة المنبعثة من سيارته في الساحة المكتظة
في قصة ( انتظار) يتبين ذلك الانتظار الرهيب ،الذي نحيا جميعا خاضعين له ، كل حياتنا انتظار ، لأشياء عديدة ، بعضها يتحقق لنا ونكتشف أن انتظارنا له كان ناجحا ، وأكثر الأمور لا يمكن تحققها في حياة عدمية ، تظل عابسة في وجه بني البشر ، ويبقى الانتظار ذا سطوة كبيرة ، لا قبل للناس جميعا بالتخلص منه ، فمن ينقذ الأطفال المسجونين في غرفة الصف من قسوة بعض الأساتذة ، ومن يمكن ان يحقق للمرء تلك الأماني البسيطة ، التي تراوده باستمرار؟ ، وكيف يمكن ان نخلق جمال الحياة دون انتظار شروق الشمس، ومجيء الصباح و موعد الغروب؟ ومجيء سيارة قادمة من بعيد ، تحمل معها الحبيب المنتظر، أو تحقق بعض الطموحات:
انتظر أن تدق
أن يرن الهاتف
أن يتدافع الأولاد متسابقين
انتظرت الغنم أن يصفر الراعي
انتظر الراعي أن تأذن الشمس
انتظرت الخيمة ان تشتعل النار
وانتظرت هي بين المضارب
أن ينكشف نور
نور سيارة
يأتي من بعيد
كل شيء يتحدث بهذه القصص الجميلة ، الأحجار والجبال والعمارة تتحدث ( وبلسان سكانها )عن متاعبها الكثيرة ، وتستمع الى ما يدور من قصص، تأتيها من وراء البحار وتنام مطمئنة في الليل حتى إذا ما حل الصباح، تعثرت بالكلاب الضالة والعربات اليدوية، في هذه القصة الجميلة ، التي تتكرر حوادثها ، باستمرار في مدننا ، نستمع الى ذلك الحديث:
في الليل تفتح العمارة آذانها المقعرة.
تسمع قصة سعيدة تأتيها من وراء البحار
وتنام
في الصباح تتعثر بعربات يدوية وبعض الكلاب الضالة
تقف في رتل طويل أمام مخبزة ( محماد)
تلعن في سرها ( بالفرنسية) اختلالا في الصف
في اليقظة ترى نباشا يغتصبها ، كان قد وصل باكرا إلى صندوق القمامة
بسرعة أخذ يعزل القنينات الفارغة والعلب.....
احتفظ بثياب داخلية....... مزق أخرى ، لاعنا في نفسه( بدارجة خشنة)
تتواصل قصص الشباب المقهورين ، الذين لم يعيشوا حيواتهم ، وذاقوا المرارة حتى الثمالة ، وانطوت أيامهم ، يابسة جافة ، قد هجرها ينبوع الحياة ، في ( أبواب) نجد الرغبة العارمة في حياة طبيعية ، سرعان ما تندثر من شدة ما تواجه من انكسارات :
أمسى ينتبه الى قلبه المفتوح مثل ترعة كبيرة
عبرت منه كثيرات وكأنهن سائرات في النوم
عندما سمع طرقات على قلبه
وهي تدق بأصابعه المترقرقة
كان قد أغلق الباب
من الداخل جاء صوته المتعب:
- ( ما كاين حد).
قصص قصيرة جدا ، برع الكاتب في التكثيف بمهارة، تدل على طول الخبرة وقوة المران ، والقدرة على انتقاء اللفظة الموحية ، ولكن من هم قراء هذا القاص المبدع ؟ ومن له القدرة على الغوص في روعة هذا السرد للتمتع بجمال اللؤلؤ ؟ والقاص قد ابدع في التكثيف والحذف والإتيان بالصور الشعرية؟
ففي القصة القصيرة جدا ( حب) كلمات قليلة ، تعبر عن خيبة متلاحقة ،بحجم الكون عن أبطال، يسقطون صرعى مضرجين من نبال حب عاثر ، وما أكثره في حياتنا الخالية من الحب الصحيح:
رآه البحر يقترب ، يجري حافيا
ويجري
ليسقط في الرمل
مضرجا هكذا بحب عابر
انها قصص واقعية، زمنها قروننا اليابسة التي لا نماء فيها ، ومكانها ارض ممتدة من الماء إلى الماء ، تكثر الخيرات ويقضي المرء محروما من كل المزايا التي تبهج ، ورغم كل شيء يواصل النضال
من إصدارات الكاتب
- منديل للبحر : مجموعة قصصية 2002 – مطبعة المتقي برنتر- المحمدية
- حكاية صفراء لقمر النسيان- رواية- - الطبعة الاولى2003- مطبعة وليلي- مراكش- منشورات غرب ميديا- القنيطرة الطبعة الثانية 2007- دار الحرف
- صباح الخير ايتها الوردة – رواية – الطبعة الأولى 2006- مطبعة المتقي برينتر- المحمدية – الناشر :مكتبة الفن- القنيطرة – الطبعة الثانية2007 – دار الحرف
صبيحة شبر
(ضفائر الغابة ) ومضات ناطقة بالتنديد
لواقع ينضح سوءا
صدر للقاص المغربي المميز( محمد فاهي) مجموعته القصصية القصيرة جدا ( ضفائر الغابة)
عن منشورات أزمنة / عمان الأردن ، تتضمن ثلاثا وستين قصة قصيرة جدا ، في سبع وسبعين صفحة ، والأخ محمد فاهي من الكتاب المغاربة المشهورين ، الذين استطاعوا ان يؤسسوا لهم بصمة قصصية ملموسة في هذا الفن الصعب جدا ، والعسير على الانقياد لإرادة المسّّير ، حيث التركيز والتكثيف والحذف والرمز ، وقول الأشياء الكثيرة في كلمات قصار ، قصصه ومضات ساحرة، تستهوي القراء، وتدفعهم إلى إمعان النظر في واقعنا المأزوم ، القدرة على انتقاء الألفاظ تتجلى واضحة ، في قصص المجموعة ، التي تجمع بين القصيدة النثرية والسرد ، بأسلوب فريد ممتع ، ، ففي قصة ( حجر على الطريق) يكثر الرمز لأطفال تعساء لا يملكون القدرة على استعمال المحفظة ، ويستعيضون بالكيس ، يملؤهم الخوف من ترقب خروج كلب ، ويمضي العمر والأطفال يتلفتون، تشدهم حبال سميكة ، لا قدرة لهم باجتيازها ، قضبان لا مرئية ، وسجون داخل نفس الإنسان وخارجها والحجر الذي وضعوه بأنفسهم في الطريق ، ينظر إليهم بشزر ، حائلا بينهم وبين ما يبتغونه من جمال ، وكأنه الشوك يعترض ورود الحياة:
في الطريق الى المدرسة كنت أضع حجرا وأقول :
عندما أعود مساء، سوف أتذكر ان طفلا مر من هنا ، يحمل كيسا عوض محفظة، يلتفت يمينا وشمالا خوفا من كلب يخرج من جهة ما ، لكنه عندما يؤوب والظلام قد أخذ يمسح معالم الجبال القريبة يقول للحجر:
آه
أيها الحجر
أنت الذي
في اليوم الأخير ، يمر على الحجر المنتصب عنوة، يتوقف عنده قليلا، يشعر كأنما ينظر إليه بشزر
فيمضي متلفتا
متلكئا كأنه مشدود بحبل
يمضي بعيدا في العمر
يضع هذه القصة ويقول.......
في قصة ( ضفائر الغابة) التي اختار القاص عنوانها للمجموعة ، تطالعنا قصة متنوعة الدلالات ، لها أكثر من تفسير ، تختلف القراءات في شأنها ، لأي شيء ترمز الطيور ؟ و دائخة أيضا ؟ ولماذا لم يربح احد الثلاثة الرهان ؟ وما نوع الطائرة التي كانت تغير على الحقول ؟ وبأمر من كانت تطير ؟ لتحاذي هامات القطن ؟
جمعنا الطيور الدائخة وقتلناها ضفائر للغابة
تراهنا على ثلاثة:
إما إنها حزينة
إما إنها في عيد
وإما إنها ستزف وهي بعد صغيرة.
البيت الصغير الذي يلوح من الغابة قصدناه ، وجدنا حلقة الأصحاب ، يتندرون.
قال ( كلاص) لصديقه :
- راسك مثل رأس حمار في حقل ، هارب من طيارة.
ضحكنا واتجهنا إلى الحقل.
كانت الطائرة تستدير بعيدا ، تنعطف فجأة ، ثم تغير على هامات الحقول وقد بدا حجمها أكبر ، وراءها خيط كبير ، عندما تحاذي هامات القطن ، تغطس أكثر وتسكت عن الهدير.
لم يربح احدنا الرهان ، لكننا ركبنا طائرات من قصب ، وصرنا نعدو وكأننا نطير
في قصة ( لا تكن نسرا) رمز من يقضي العمر كله، مناضلا يجمع الرزق ، ويبني المستقبل لبنة بعد لبنة ، يسير بتأن يثير الإعجاب ، من ثقة بالنفس متمكنة ، ومن دراية كبيرة في صنع الحياة ، فلا تكن نسرا تعتدي على الحيوات الأخرى، وتسلب منها ما بقيت تكافح من اجله، كفاح الأبطال وتستمر في نضالها الطويل ، حتى وان اعترضت طريقها الصعوبات :
انظر فقط
كيف
ت
ل
ت
ق
ط
حمامة
حبة وراء حبة وراء حبة....
ورا.....ح.........اّ...... ب
وفي قصة ( سندباد) يستخدم القاص الرمز بمهارة ، لتغير صنوف العيش ، ومواجهة الصعاب ، وتبدل الرفاق وتشتت المجتمعات ، فما الذي واجهته مجموعة الأربعة أشخاص ، هل رمز بهم للأسرة ؟ أب وأم وطفلان ؟ يواجهون مفترق الطرق ، وكل منهم يسير الى وجهة ،تختلف عن وجهة صاحبه ، وهكذا الحياة ، لا تستقيم على امر واحد ، ومن العسير جدا أن يظل المتفقون على اتفاقهم ، والقصة تتضمن الكثير من الدلالات
ماذا حدث
أيها السندباد
في مفترق
الطرق
حيث كنتم أربعة
طفل
طفلة
امرأة
وأنت ؟
في قصة ( احمر واسود): تتجلى رغبة الإنسان ان يكون حرا مستقلا ، غير خاضع لأحد ، يمثل نفسه ، لا يسعى الى الهيمنة على أشخاص معينين ، وسلبهم حرياتهم ، كما انه لايود ان يكون تابعا للآخرين ، متحدثا باسمهم ، والرغبة ان تكون حرا وتحترم حرية الآخرين أيضا، وان بدت أمر يسيرا، إلا انه صعب التحقق كثيرا، في مجتمعاتنا التي اعتادت، على نوعين من الناس، إما خاضعا للأخر وناطقا عنه ، او مسيطرا على الآخرين سالبا منهم إرادتهم ، وهؤلاء الأحرار المنادون بالحرية، لهم ولغيرهم كثيرا ما تعرضوا للاضطهاد ،لأنهم يبدون غامضين ، في أغلب الأوقات ، شجعانا يدافعون عن وجهات نظرهم بالعيش المستقل:
مرة أخرى
أشاطرك الهجوم علي.
برمح السياسة من قبل.
وبسم اللسان من بعد.
ولا ذنب لي.
سوى إنني لم أكن عبدك.
ولن أصبح سيدك.
أما دمي.
فسألعقه بلساني
كي لا يقطر قلمي
بالحبر الأسود وحده
فانظر أين أنت
بعد أن ينجلي الغبار
في قصة ( مقايضة) تتضح بصورة جلية، رغبة الإنسان ان يكون نفسه ، وليس شخصا آخر ، فهو مستعد أن يدفع كل شيء، من اجل ان يحافظ على استقلاليته ورغبته ان يكون وحيدا، في الوقت الذي يريد ، في عالم يعيش فيه الكثيرون ، فاقدين لشروط العيش الكريم والاستقلال بالرأي وقول ما نعتقد، انه الحق دون ان تعترض طريقنا الصعوبات ، او يضع احدهم الأحجار ، المادية والمعنوية ، للحيلولة دون تحقيق ذواتنا وتمثيل أنفسنا ، رغم أن محاولاتنا الكثيرة تقابل أحيانا، بعواء الذئاب حين يجدون أنفسهم عاجزين عن إخضاعنا لسلطاتهم مهما فعلوا:
بعد صبر طويل، وقف عليه وقال :
كم تريد
كي لا تنبح
على وحدتي.......
فترديني غريبا
يا شبيه
كلب الخيمة ؟
أجابه بضحكة ساخرة
مثل عواء ذئب
في قصة ( وحدة) تبدو الرغبة واضحة في ان يكون الإنسان نفسه ، فهو مستعد أن يموت ،على ان يعيش بين ذئاب لا يحترمون آدميته ، ويتوقع منهم أن ينهشوا لحمه ، ويقضوا على وحدته ، ورغبته ان يكون إنسانا يعيش وحيدا، على ان يكون مجرد ذئب فاقد الهوية والمضمون
والقصة تمثل مطاردة بين إنسان، يحرص كل الحرص على الحفاظ على إنسانيته ، وبين مجموعة من المخلوقات، تأبى ان يظل احدها مختلفا عنهم،
تجري وراءه محاولة النيل من إصراره ، ولكن محاولاتها تذهب عبثا، أمام إرادته القوية ، فهو يصرخ والإعياء مسيطر عليه، ان الأفضل له ان يموت غريبا ، على أن يهرس بأنيابهم المفترسة:
كان هاربا ، وهم وراءه
صاح من أعلى التل ، وهو يكاد يسقط من الإعياء :
أموت
وليس بينكم
تنهشون
وحدتي
....... بأنيا
......... بكم
في قصة ( غابة أحلام) تستحيل الأحلام العريضة، الى حيوانات ذات قرون تنخس الناس جهة الكلية ، وتتضح لنا الحياة رهيبة ، تحكم على أناسها بموت الأحلام، واستحالة ان يكون الواقع، اقل سوءا مما نعيشه ، حتى ان أخذنا ممحاة، ومسحنا مالا نريده ، راسمين ما نحب من الأشياء الوردية الجميلة:
أخذ ممحاة كبيرة
محا السيارة وراكبها
عوض السيارة رسم غابة ، وعوض الراكب رسم حيونا
حدق طويلا
حيوان يتقدم الى غابة أحلامه ، أحس بقرنه ينخسه جهة الكلية.....
أفاق.....
كانت مرآة السيارة تدفعه في بطنه.
المهاجر سمع كل السباب ونعوت الحيوانات، رغم الأغنية الصاخبة المنبعثة من سيارته في الساحة المكتظة
في قصة ( انتظار) يتبين ذلك الانتظار الرهيب ،الذي نحيا جميعا خاضعين له ، كل حياتنا انتظار ، لأشياء عديدة ، بعضها يتحقق لنا ونكتشف أن انتظارنا له كان ناجحا ، وأكثر الأمور لا يمكن تحققها في حياة عدمية ، تظل عابسة في وجه بني البشر ، ويبقى الانتظار ذا سطوة كبيرة ، لا قبل للناس جميعا بالتخلص منه ، فمن ينقذ الأطفال المسجونين في غرفة الصف من قسوة بعض الأساتذة ، ومن يمكن ان يحقق للمرء تلك الأماني البسيطة ، التي تراوده باستمرار؟ ، وكيف يمكن ان نخلق جمال الحياة دون انتظار شروق الشمس، ومجيء الصباح و موعد الغروب؟ ومجيء سيارة قادمة من بعيد ، تحمل معها الحبيب المنتظر، أو تحقق بعض الطموحات:
انتظر أن تدق
أن يرن الهاتف
أن يتدافع الأولاد متسابقين
انتظرت الغنم أن يصفر الراعي
انتظر الراعي أن تأذن الشمس
انتظرت الخيمة ان تشتعل النار
وانتظرت هي بين المضارب
أن ينكشف نور
نور سيارة
يأتي من بعيد
كل شيء يتحدث بهذه القصص الجميلة ، الأحجار والجبال والعمارة تتحدث ( وبلسان سكانها )عن متاعبها الكثيرة ، وتستمع الى ما يدور من قصص، تأتيها من وراء البحار وتنام مطمئنة في الليل حتى إذا ما حل الصباح، تعثرت بالكلاب الضالة والعربات اليدوية، في هذه القصة الجميلة ، التي تتكرر حوادثها ، باستمرار في مدننا ، نستمع الى ذلك الحديث:
في الليل تفتح العمارة آذانها المقعرة.
تسمع قصة سعيدة تأتيها من وراء البحار
وتنام
في الصباح تتعثر بعربات يدوية وبعض الكلاب الضالة
تقف في رتل طويل أمام مخبزة ( محماد)
تلعن في سرها ( بالفرنسية) اختلالا في الصف
في اليقظة ترى نباشا يغتصبها ، كان قد وصل باكرا إلى صندوق القمامة
بسرعة أخذ يعزل القنينات الفارغة والعلب.....
احتفظ بثياب داخلية....... مزق أخرى ، لاعنا في نفسه( بدارجة خشنة)
تتواصل قصص الشباب المقهورين ، الذين لم يعيشوا حيواتهم ، وذاقوا المرارة حتى الثمالة ، وانطوت أيامهم ، يابسة جافة ، قد هجرها ينبوع الحياة ، في ( أبواب) نجد الرغبة العارمة في حياة طبيعية ، سرعان ما تندثر من شدة ما تواجه من انكسارات :
أمسى ينتبه الى قلبه المفتوح مثل ترعة كبيرة
عبرت منه كثيرات وكأنهن سائرات في النوم
عندما سمع طرقات على قلبه
وهي تدق بأصابعه المترقرقة
كان قد أغلق الباب
من الداخل جاء صوته المتعب:
- ( ما كاين حد).
قصص قصيرة جدا ، برع الكاتب في التكثيف بمهارة، تدل على طول الخبرة وقوة المران ، والقدرة على انتقاء اللفظة الموحية ، ولكن من هم قراء هذا القاص المبدع ؟ ومن له القدرة على الغوص في روعة هذا السرد للتمتع بجمال اللؤلؤ ؟ والقاص قد ابدع في التكثيف والحذف والإتيان بالصور الشعرية؟
ففي القصة القصيرة جدا ( حب) كلمات قليلة ، تعبر عن خيبة متلاحقة ،بحجم الكون عن أبطال، يسقطون صرعى مضرجين من نبال حب عاثر ، وما أكثره في حياتنا الخالية من الحب الصحيح:
رآه البحر يقترب ، يجري حافيا
ويجري
ليسقط في الرمل
مضرجا هكذا بحب عابر
انها قصص واقعية، زمنها قروننا اليابسة التي لا نماء فيها ، ومكانها ارض ممتدة من الماء إلى الماء ، تكثر الخيرات ويقضي المرء محروما من كل المزايا التي تبهج ، ورغم كل شيء يواصل النضال
من إصدارات الكاتب
- منديل للبحر : مجموعة قصصية 2002 – مطبعة المتقي برنتر- المحمدية
- حكاية صفراء لقمر النسيان- رواية- - الطبعة الاولى2003- مطبعة وليلي- مراكش- منشورات غرب ميديا- القنيطرة الطبعة الثانية 2007- دار الحرف
- صباح الخير ايتها الوردة – رواية – الطبعة الأولى 2006- مطبعة المتقي برينتر- المحمدية – الناشر :مكتبة الفن- القنيطرة – الطبعة الثانية2007 – دار الحرف
صبيحة شبر
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)


